وارش أمام أول اختبار حقيقي للفيدرالي بين شبح التضخم وضعف سوق العمل

لم تكد ولاية كيفن وارش على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تبدأ فعلياً، حتى وجد نفسه أمام معادلة نقدية شديدة التعقيد، بعدما أعادت بيانات سوق العمل إلى الواجهة مخاوف تباطؤ الاقتصاد، في وقت لم تنتهِ فيه معركة التضخم بعد.
وكانت التوقعات تشير إلى أن احتواء ارتفاع الأسعار سيكون المهمة الأبرز أمام رئيس الفيدرالي الجديد، خصوصاً مع استمرار التضخم فوق مستهدف البنك المركزي البالغ 2%، إلى جانب الضغوط التي فرضتها التطورات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الطاقة.
لكن بيانات الوظائف الأخيرة بدت وكأنها تعيد رسم أولويات السياسة النقدية، بعدما كشفت عن علامات ضعف في سوق العمل الأميركي، لتضع الفيدرالي أمام اختبار مزدوج بين السيطرة على الأسعار والحفاظ على قوة الاقتصاد.
أظهر تقرير الوظائف لشهر يوليو فقدان الاقتصاد الأميركي نحو 23 ألف وظيفة، في حين جرى تعديل بيانات الشهرين السابقين بالخفض، في إشارة إلى أن قوة سوق العمل ربما لم تكن بالصلابة التي عكستها الأرقام السابقة.
ورغم تراجع معدل البطالة إلى 4.1%، فإن هذا الانخفاض لم يكن مدفوعاً بتحسن واضح في التوظيف، بل ارتبط جزئياً بتراجع معدل المشاركة في سوق العمل، وهو ما يضيف طبقة أخرى من القلق بشأن اتجاه الاقتصاد خلال الفترة المقبلة.
وبالنسبة إلى الفيدرالي، لا يتعلق الأمر بمجرد رقم شهري ضعيف، بل بمدى استمرار هذا التراجع وتحوله إلى اتجاه أوسع يمكن أن يؤثر في قرارات أسعار الفائدة.
تأتي هذه التطورات في وقت لا يزال فيه التضخم أعلى من المستوى الذي يستهدفه البنك المركزي، ما يجعل أي تحول سريع نحو سياسة أكثر دعماً للنمو محفوفاً بالمخاطر.
فالإبقاء على موقف نقدي متشدد لفترة أطول قد يساعد في احتواء الأسعار، لكنه في المقابل قد يزيد الضغوط على الشركات والأسر ويعمق تباطؤ سوق العمل.
أما التحرك في الاتجاه المعاكس، عبر تخفيف السياسة النقدية أو التراجع عن التشدد، فقد يمنح الاقتصاد مساحة أكبر للتنفس، لكنه قد يعرّض الفيدرالي لانتقادات إذا عاد التضخم إلى الارتفاع قبل أن يتم القضاء عليه بصورة مستدامة.

وهكذا يجد وارش نفسه أمام هدفين أساسيين للسياسة النقدية يبدوان أكثر تعارضاً من أي وقت مضى.
سرعان ما انعكست بيانات الوظائف على الأسواق المالية، إذ اعتبر المستثمرون ضعف سوق العمل عاملاً قد يدفع الفيدرالي إلى تقليص احتمالات استمرار التشدد النقدي خلال اجتماعه المقبل.
وتزامن ذلك مع ارتفاع الأسهم وتراجع عوائد سندات الخزانة والدولار، في ظل إعادة المتعاملين تسعير توقعاتهم لمسار أسعار الفائدة.
غير أن بناء رهانات قوية على تغيير مسار الفيدرالي استناداً إلى تقرير واحد قد يكون أمراً مبكراً، خصوصاً أن صناع السياسة النقدية يراقبون مجموعة واسعة من المؤشرات، وفي مقدمتها التضخم والإنفاق الاستهلاكي والأجور ونشاط سوق العمل.
وبالتالي، ستظل بيانات الأسعار المقبلة عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كان تقرير يوليو يمثل بداية تحول فعلي أم مجرد ضعف مؤقت في سوق الوظائف.
ولا تقتصر صعوبة المهمة على البيانات الاقتصادية وحدها، إذ إن أسلوب وارش في إدارة توقعات الأسواق قد يجعل المرحلة المقبلة أكثر حساسية.
فمع تقليص الاعتماد على التوجيهات المسبقة بشأن المسار المستقبلي للسياسة النقدية، بات المستثمرون أكثر اعتماداً على البيانات الاقتصادية نفسها لمحاولة استنتاج الخطوة التالية للفيدرالي.
وهذا يعني أن أي مفاجأة، سواء جاءت من سوق العمل أو التضخم، قد تؤدي إلى تحولات سريعة في توقعات أسعار الفائدة والأسواق المالية.
يضع تقرير يوليو رئيس الفيدرالي أمام اختبار مبكر لقدرته على تحقيق التوازن بين استقرار الأسعار ودعم سوق العمل.
فالتضخم لم يختفِ بعد، لكن في المقابل بدأت تظهر إشارات تستحق المتابعة بشأن قوة الاقتصاد الأميركي وسوق العمل.
وبين الخوف من إبقاء السياسة النقدية متشددة لفترة أطول من اللازم، والمخاطرة بالتراجع مبكراً عن معركة التضخم، تبدو مهمة وارش أكثر تعقيداً من مجرد تحديد موعد خفض أو رفع الفائدة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال المطروح أمام الفيدرالي هو أي هدف سيختار، بل كيف سيتمكن من حماية الهدفين معاً دون أن يؤدي علاج أحدهما إلى تفاقم المشكلة في الآخر.




