هل تقضي أسعار النفط على آمال خفض الفائدة الأمريكية في 2026؟

تتزايد مؤشرات إعادة التموضع داخل دوائر صنع القرار الاقتصادي في الولايات المتحدة، مع دخول ملف أسعار الفائدة مرحلة أكثر حساسية، في ظل تداخل غير مسبوق بين الضغوط الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وهو ما دفع إدارة الرئيس “دونالد ترامب” إلى مراجعة مقاربتها التي كانت تميل بقوة نحو خفض الفائدة منذ مطلع عام 2025.
وفي هذا السياق، شدد وزير الخزانة الأمريكي “سكوت بيسنت” على أن الوقت لا يزال غير مناسب لبدء أي دورة خفض في أسعار الفائدة، موضحًا أن مستوى عدم اليقين الحالي الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط يفرض على الاحتياطي الفيدرالي اعتماد نهج أكثر تحفظًا وانتظارًا قبل اتخاذ أي قرارات جديدة.
هذا الموقف يعكس تحولًا واضحًا في نبرة الخطاب الرسمي، مقارنة بتصريحات سابقة لبيسنت خلال يناير الماضي، حين كانت الإدارة الأمريكية تضغط باتجاه خفض الفائدة باعتبارها أداة أساسية لدعم النمو الاقتصادي، مع تأكيد أن انخفاض تكاليف الاقتراض يمثل عنصرًا حاسمًا في تحفيز النشاط الاقتصادي.
جاء هذا التحول نتيجة مباشرة للتصعيد العسكري في الشرق الأوسط، الذي أدى إلى قفزة قوية في أسعار النفط، متجاوزة حاجز 100 دولار للبرميل، وهو ما أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة داخل الاقتصاد الأمريكي بعد فترة من الاستقرار النسبي في الأسعار.
وتُظهر أحدث البيانات لشهر مارس أن مؤشر أسعار المستهلكين السنوي في الولايات المتحدة ارتفع إلى أعلى مستوى له منذ نحو عامين، في حين سجل التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة، ارتفاعًا محدودًا يعكس استمرار الضغوط ولكن بوتيرة أقل حدة.
ويُعد قطاع الطاقة المحرك الرئيسي لهذا الارتفاع، إذ سجلت الأسعار زيادة بنسبة 12.5% خلال مارس على أساس سنوي، بينما قفزت أسعار البنزين بنحو 18.9%، نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بتصاعد التوترات واستمرار القيود على حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
ورغم أن الاحتياطي الفيدرالي غالبًا ما يتعامل مع صدمات أسعار الطاقة باعتبارها عوامل مؤقتة لا تعكس الاتجاه الهيكلي للتضخم، فإن استمرار هذه الضغوط لفترة أطول قد يدفع صناع السياسة النقدية إلى إعادة النظر في هذا النهج التقليدي المعتمد منذ سنوات.
في بداية العام، كانت الأسواق المالية ترجح تنفيذ خفضين على الأقل لأسعار الفائدة خلال عام 2026، إلا أن هذه التوقعات تراجعت بشكل حاد عقب اندلاع الحرب، حيث بات المستثمرون يميلون إلى تسعير سيناريو تثبيت الفائدة لفترة أطول، مع تقلص واضح في احتمالات التيسير النقدي.
وتعكس تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي خلال الفترة الأخيرة توجهًا أكثر تحفظًا، قائمًا على الموازنة بين مخاطر استمرار التضخم من جهة، واحتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي من جهة أخرى، مع تزايد الأصوات التي ترى أن أي خفض للفائدة قد يُرجأ إلى العام المقبل ما دام التضخم أعلى من الهدف البالغ 2%.
ورغم تراجع احتمالات رفع أسعار الفائدة خلال عام 2026، فإن السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في تحول ارتفاع أسعار الطاقة من مجرد صدمة مؤقتة إلى موجة تضخمية ممتدة، وهو ما قد يفرض على الاحتياطي الفيدرالي خيارًا أكثر تشددًا إذا استمرت الضغوط السعرية في التصاعد.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو تصريحات وزير الخزانة الأمريكي انعكاسًا لتحول تدريجي نحو مقاربة أكثر حذرًا وواقعية داخل الإدارة الأمريكية، تتقاطع إلى حد كبير مع موقف الاحتياطي الفيدرالي، في وقت تتشابك فيه تحديات التضخم مع مخاطر تباطؤ النمو، ما يجعل المشهد الاقتصادي أكثر تعقيدًا وعدم يقين مما كان عليه في بداية العام.




