النفط على صفيح ساخن: من الفائض إلى أزمة عالمية محتملة

بينما كان العالم يستعد لعام يشهد فائضًا في المعروض النفطي، جاءت التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط لتقلب كل التوقعات رأسًا على عقب. ارتفاع سعر برميل النفط سريعًا إلى مستويات قريبة من 120 دولارًا لم يكن مجرد انعكاس لتقلبات السوق، بل تحذيرًا صريحًا من احتمال اندلاع أزمة طاقة عالمية، قد تضاعف التضخم وتضغط على الاقتصاد العالمي.
تغيرت ديناميكية السوق بشكل سريع. فالتقديرات التي كانت تشير إلى فائض في الإنتاج العالمي وارتفاع المخزونات لمواجهة الطلب، تحولت بفعل الاضطرابات الجيوسياسية إلى قيود صارمة على الإمدادات. حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يربط أكبر المنتجين بالمشترين حول العالم، تراجعت بشكل ملحوظ، ما يجعل الأسواق تتوقع توقف التدفقات لأسابيع.
حتى مع وجود مسارات بديلة لتصدير النفط، فإن الإجراءات الأمنية لمرافقة السفن من قبل البحرية الأمريكية تبطئ من سرعة العبور، مما يرفع احتمال نقص يصل إلى مليوني برميل يوميًا، أي نحو 2% من الاستهلاك العالمي.
مع تصاعد الأزمة، بدأت التقديرات السوقية تشير إلى سيناريوهات متطرفة. وفق بنك “جولدمان ساكس”، فإن توقف الملاحة عبر مضيق هرمز قد يكون له تأثير يفوق 17 ضعفًا مقارنة بالضربة التي تلقاها الإنتاج الروسي في أبريل 2022، والتي دفعت سعر النفط إلى 110 دولارات للبرميل.
المحللون يحذرون من أن الأسعار قد تستمر في الصعود ما لم تهدأ التوترات. حتى السيناريو الأكثر تفاؤلًا، الذي يشمل فتح إيران قنوات التفاوض مع الولايات المتحدة، قد يستغرق أسابيع قبل استئناف التدفقات بشكل كامل، تاركًا الأسواق في حالة تأهب قصوى.
التاريخ يذكرنا بالعواقب الاقتصادية لارتفاع أسعار النفط. ففي 2008، بلغ سعر البرميل نحو 147 دولارًا، ما يعادل اليوم نحو 222 دولارًا وفق تقديرات “فاينانشال تايمز”. حتى الارتفاع المؤقت فوق 120 دولارًا في 2022 كان كافيًا لتعميق الضغوط التضخمية عالميًا.
توقعات المحللين: صعود مستمر
جولدمان ساكس: حذر من احتمال وصول الأسعار إلى 150 دولارًا للبرميل إذا استمر توقف تدفقات النفط عبر المضيق.
بوب ماكنالي، رئيس “رابيدان إنرجي جروب”: يشير إلى أن السوق لا تزال تتكيف مع مدة محتملة لإغلاق المضيق.
أندرو أديسون من “إنستيتيو فيو”: يرى أن بلوغ برميل برنت 200 إلى 240 دولارًا أصبح أكثر احتمالًا، خاصة إذا أغلق الشهر فوق 140 دولارًا.
أبدى الرئيس “دونالد ترامب” هدوءًا تجاه ارتفاع الأسعار، معتبراً أن التكاليف المرتفعة قد تكون ثمنًا مقبولًا لتخفيف التهديد الإيراني، فيما وصف وزير الطاقة “كريس رايت” الارتفاع الحالي بأنه مجرد “علاوة خوف مؤقتة”.
مع ذلك، بدأت واشنطن ودول أخرى في اتخاذ إجراءات احترازية، مثل إصدار تراخيص لمصافي التكرير الهندية لسحب النفط الروسي العالق بسبب العقوبات، والسحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، لكنها تبقى حلولًا مؤقتة لتخفيف الضغط على السوق.
رفع الإنتاج في مناطق أخرى قد يخفف الأزمة، لكن الواقع اللوجستي والتقني يصعب تطبيقه بسرعة. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، قد يستغرق الأمر 6 إلى 12 شهرًا لإضافة مئات الآلاف من البراميل يوميًا، وهو ما لن يعوض الخسائر الناجمة عن توقف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز.
مع استمرار الأزمة، يبدو أن السوق النفطي يقف على حافة مرحلة جديدة من التقلبات الشديدة. ارتفاع الأسعار الحالي قد يكون مجرد صدمة عابرة، لكنه قد يكون أيضًا مؤشرًا لبداية مسار صعود طويل لم تشهده أسواق الطاقة منذ سنوات، مع كل ما يحمله من تأثيرات اقتصادية عالمية.




