اقتصاد المغربالأخبارالشركات

المغرب يطور تقنية جديدة لخفض الكادميوم في الأسمدة الموجهة إلى أوروبا

دخل قطاع الأسمدة الفوسفاتية مرحلة جديدة من التكيف مع المتطلبات البيئية والصحية الأوروبية، بعدما أعلن المجمع الشريف للفوسفات عن تطوير تقنية تهدف إلى تقليص مستويات الكادميوم في الأسمدة الموجهة إلى أسواق الاتحاد الأوروبي، في خطوة تعكس تنامي الضغوط التنظيمية المرتبطة بسلامة التربة والغذاء.

ويعد الكادميوم من العناصر التي توجد بشكل طبيعي في بعض رواسب الفوسفات، قبل أن ينتقل خلال عمليات التصنيع إلى الأسمدة، ومنها إلى التربة والمحاصيل الزراعية.

وتكمن المخاوف المرتبطة به في إمكانية تراكمه داخل السلسلة الغذائية، فضلا عن ارتباط التعرض لمستويات مرتفعة منه بمخاطر صحية، من بينها أضرار الكلى وزيادة احتمالات الإصابة ببعض الأمراض الخطيرة.

وتتركز نسب الكادميوم بشكل أكبر في رواسب فوسفاتية تشكلت منذ ملايين السنين، ومن بينها رواسب المغرب والولايات المتحدة وتونس، في حين تكون مستوياته أقل في بعض المناطق المنتجة الأخرى، مثل جنوب إفريقيا وروسيا.

وقد تصاعد الاهتمام الأوروبي بهذه القضية خلال السنوات الأخيرة، خصوصا في فرنسا، حيث تبنى البرلمان الفرنسي في يونيو مقترحا تشريعيا يستهدف تقليص تعرض المستهلكين للكادميوم.

ويؤكد المجمع الشريف للفوسفات أن الأسمدة التي يصدرها إلى أوروبا منذ بداية عام 2025 أصبحت تحتوي على أقل من 20 مليغراما من الكادميوم لكل كيلوغرام، أي بمستوى يقل بشكل واضح عن السقف المحدد في المعايير الأوروبية والبالغ 60 مليغراما لكل كيلوغرام.

وتعتمد التقنية التي طورها المجمع على إدخال مواد محددة خلال مرحلة معالجة حمض الفوسفوريك، قبل فصل الكادميوم وعزله عن الحمض الذي يستخدم لاحقا في إنتاج الأسمدة.

وتندرج هذه العملية ضمن جهود المجمع لتكييف منتجاته مع المتطلبات التنظيمية المختلفة التي تفرضها الأسواق الدولية، في وقت تختلف فيه المعايير المتعلقة بالتركيبة الكيميائية للأسمدة من منطقة إلى أخرى.

وتعد أوروبا من الأسواق المهمة بالنسبة للمجمع، إذ تستحوذ دول الاتحاد الأوروبي على نحو 17 بالمئة من صادراته، مقابل 31 بالمئة للقارة الأمريكية و41 بالمئة لآسيا.

وفي المقابل، يشير مسؤول أوروبي إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يعتمد نظاما آليا لتتبع مستويات الكادميوم في جميع واردات الأسمدة الفوسفاتية، ما يجعل التحقق المستقل من المستويات التي يعلنها المنتجون أكثر تعقيدا.

لكنه أكد أن منتجا مغربيا رئيسيا أبلغ السلطات الأوروبية باستثماراته في تقنيات تسمح بخفض مستوى الكادميوم في المنتجات الموجهة إلى السوق الأوروبية.

ويأتي هذا التطور في قطاع يمثل أحد أهم ركائز الاقتصاد المعدني المغربي، في ظل امتلاك المملكة الجزء الأكبر من الاحتياطيات العالمية المعروفة من الفوسفات.

وتشير المعطيات الواردة إلى أن المغرب يمتلك نحو 70 بالمئة من الاحتياطيات العالمية، بما يقارب 50 مليار طن من إجمالي يقدر بحوالي 70 مليار طن، ما يمنحه موقعا استراتيجيا في سوق الأسمدة والمنتجات الفوسفاتية.

وتتركز عمليات الاستخراج في عدد من المواقع، من بينها منطقة خريبكة، حيث تستخرج صخور الفوسفات بعد إزالة الطبقات الترابية التي تغطيها، قبل إخضاعها لعمليات المعالجة والغسل.

ولا يقتصر نشاط المجمع على تصدير الفوسفات الخام، إذ يتم تحويل جزء مهم منه إلى حمض الفوسفوريك، الذي يشكل مادة أساسية في صناعة الأسمدة الفوسفاتية، خصوصا داخل المركب الصناعي بالجرف الأصفر.

ولا يمثل الكادميوم التحدي البيئي الوحيد الذي يواجه صناعة الفوسفات والأسمدة، إذ تبرز أيضا قضية الفوسفوجيبس، وهي مادة ثانوية تنتج عن تصنيع الأسمدة ويمكن أن تحتوي على معادن ثقيلة ومكونات حمضية.

وفي هذا السياق، يخطط المجمع لإنشاء مركز لتخزين هذه المخلفات بحلول عام 2027، بهدف الحد من كميات الفوسفوجيبس التي يتم التخلص منها في البحر وتقليص آثارها البيئية.

ويرى خبراء في الزراعة والبيئة أن الاستخدام المفرط للأسمدة الفوسفاتية يمكن أن يؤدي بدوره إلى تداعيات على النظم البيئية، من بينها تلوث مصادر المياه، فضلا عن انبعاث بعض الغازات ذات التأثير على المناخ.

وبالتالي، يجد قطاع الفوسفات نفسه أمام معادلة مزدوجة تتمثل في الحفاظ على قدرته الإنتاجية لتلبية الطلب العالمي المتزايد، وفي الوقت نفسه تقليص البصمة البيئية المرتبطة بالاستخراج والتصنيع والاستخدام.

إلى جانب التحديات البيئية والتنظيمية، تواجه صناعة الأسمدة العالمية ضغوطا مرتبطة باضطرابات الإمدادات الدولية للمواد الأولية.

وأثرت الحرب في الشرق الأوسط على حركة تدفق بعض المواد الأساسية التي تدخل في صناعة الأسمدة، في وقت يشهد فيه السوق العالمي طلبا متزايدا على هذه المنتجات.

وتكتسب منطقة الشرق الأوسط أهمية كبيرة في سوق الأسمدة والمواد الأولية المرتبطة بها، فيما يمثل مضيق هرمز ممرا استراتيجيا لتجارة عدد من المواد المستخدمة في الصناعة، من بينها الكبريت والأمونيا.

كما اضطرت منشآت إنتاجية في عدد من دول المنطقة إلى خفض عملياتها أو تعليقها، الأمر الذي انعكس على مستويات العرض والأسعار وتدفقات الإمدادات العالمية.

وأقر المدير التنفيذي لشركة «نوتريكروبس»، التابعة للمجمع والمتخصصة في صناعة الأسمدة، فارس الدريج، بأن الاضطرابات الأخيرة أثرت على آجال التوريد وتكاليف الإمدادات وتدفقها، لكنه أكد في المقابل أن المجموعة تمكنت من الحفاظ على استمرارية عملياتها.

ويعزو المجمع قدرته على مواجهة هذه الاضطرابات إلى توفر المخزونات، إلى جانب الموقع الجغرافي للمغرب، الذي يمنحه إمكانية الوصول إلى عدد من الأسواق الدولية ويعزز مرونة سلاسل التوريد.

وبين الاستثمار في تقنيات خفض الكادميوم، والاستعداد لمتطلبات بيئية أكثر صرامة، ومواجهة اضطرابات أسواق المواد الأولية، يواصل المجمع الشريف للفوسفات إعادة تطوير منظومته الصناعية للحفاظ على موقع المغرب في سوق الأسمدة العالمية، في وقت تتحول فيه المعايير البيئية والصحية بشكل متزايد إلى عامل حاسم في المنافسة الدولية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى