الاقتصادية

الصين تراهن على الممر القطبي لتسريع الشحن إلى أوروبا وتنويع طرق التجارة

تتجه الصين إلى إعادة رسم جزء من خريطة الشحن البحري بين آسيا وأوروبا، مع إطلاق خدمة نقل جديدة عبر المياه القطبية خلال فصل الصيف، في خطوة تستهدف تقليص زمن وصول البضائع وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد في مواجهة الاضطرابات التي تشهدها الممرات التجارية التقليدية.

وانطلقت أولى رحلات الخدمة الجديدة من ميناء نينغبوه-تشوشان شرقي الصين على متن سفينة «برج دبي»، التي تسلك الطريق البحري الشمالي الممتد بمحاذاة الساحل الروسي في القطب الشمالي، قبل التوجه إلى عدد من الموانئ الأوروبية في بريطانيا وهولندا وألمانيا وبولندا، وفق وكالة «شينخوا».

وأظهرت الرحلة التجريبية الأولى للمسار القطبي قدرة على تقليص زمن النقل بصورة كبيرة، إذ استغرقت نحو 20 يومًا، أي ما يقارب نصف الفترة التي تحتاجها الرحلات البحرية عبر قناة السويس، ما يمنح الطريق الجديد ميزة مهمة بالنسبة للشركات التي تضع سرعة التسليم ضمن أولوياتها.

وتحمل السفن العاملة على هذا المسار شحنات مرتبطة بقطاعات التكنولوجيا والطاقة والصناعة، من بينها البطاريات وأنظمة تخزين الطاقة والوحدات الكهروضوئية ومكونات السيارات العاملة بالطاقة الجديدة.

ويعكس نوعية هذه البضائع طبيعة العلاقات التجارية المتنامية بين الصين والأسواق الأوروبية، خصوصًا في القطاعات المرتبطة بالطاقة النظيفة والصناعات التكنولوجية.

ورغم الميزة الزمنية التي يوفرها الطريق البحري الشمالي، فإن استخدامه لا يزال مقيدًا بعوامل جغرافية ومناخية، إذ تتركز الخدمة الجديدة خلال الفترة الممتدة من يوليو إلى أكتوبر عندما تكون ظروف الملاحة أكثر ملاءمة.

وتخطط الصين لتنفيذ ما لا يقل عن 8 رحلات خلال العام الحالي، ما يشير إلى أن الممر يدخل في مرحلة اختبار تجاري تدريجي، وليس بديلًا متاحًا طوال العام عن الطرق البحرية التقليدية.

وتظل ظروف الجليد وقدرة السفن والبنية التحتية المساندة في المناطق القطبية من أبرز العوامل التي ستحدد مدى إمكانية توسيع الخدمة مستقبلًا.

ويأتي التوجه الصيني نحو الممر القطبي في وقت تواجه فيه حركة التجارة العالمية تحديات متزايدة بسبب التوترات الجيوسياسية التي أثرت في عدد من الممرات البحرية الرئيسية.

وأدت هذه التطورات إلى زيادة اهتمام شركات النقل والخدمات اللوجستية بإيجاد مسارات بديلة تقلل الاعتماد على طريق واحد، وتوفر خيارات إضافية في حال تعرض الممرات التقليدية لاضطرابات مفاجئة.

ويتيح الطريق البحري الشمالي نظريًا مسافة أقصر بين شرق آسيا وأوروبا مقارنة ببعض المسارات التقليدية، ما قد يؤدي إلى خفض زمن الرحلات وتكاليف التشغيل، لكن الاستفادة التجارية منه تظل مرتبطة بظروف الطقس والملاحة وقدرة البنية التحتية على دعم حركة الشحن على نطاق واسع.

ويتزامن إطلاق الخدمة الجديدة مع استمرار نمو التبادل التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي، إذ بلغت قيمة التجارة بين الجانبين نحو 447.8 مليار دولار خلال النصف الأول من العام، بزيادة سنوية قدرها 14.2%، وفق بيانات وزارة التجارة الصينية.

ويعني ارتفاع حجم التجارة أن الحاجة إلى مسارات نقل أكثر تنوعًا أصبحت أكثر أهمية بالنسبة للشركات والمصدرين والمستوردين، خصوصًا مع تزايد الطلب على نقل المنتجات الصناعية والتكنولوجية بين الطرفين.

ويمثل إطلاق الخدمة خطوة أولية نحو استغلال الإمكانات التجارية للطريق البحري الشمالي، لكنه لا يزال أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرته على الانتقال من خدمة موسمية محدودة إلى ممر قادر على التعامل مع تدفقات تجارية كبيرة ومنتظمة.

وفي حال تمكنت الصين من توسيع البنية التحتية والخدمات اللوجستية المرتبطة بالممر وتحسين قدرات الملاحة في الظروف القطبية، فقد يصبح الطريق جزءًا أكثر أهمية من شبكة التجارة بين آسيا وأوروبا.

أما في المدى القريب، فتبدو أهميته في توفير خيار إضافي وأسرع نسبيًا للشحن خلال أشهر الصيف، بما يمنح الصين وشركائها الأوروبيين مساحة أكبر للمناورة في ظل التحولات المتسارعة التي تعيد تشكيل خريطة النقل البحري العالمي.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى