الأسهمالاقتصادية

إعادة شراء الأسهم ليست دائمًا استثمارًا رابحًا.. فالسعر والتوقيت يحسمان النتيجة

أصبحت عمليات إعادة شراء الأسهم واحدة من أبرز الأدوات التي تلجأ إليها الشركات الكبرى لإدارة فائض السيولة وتعزيز نصيب المساهمين من الأرباح.

غير أن هذا الخيار المالي، الذي يبدو للوهلة الأولى وسيلة مباشرة لرفع قيمة السهم، قد يتحول إلى قرار مكلف عندما تشتري الشركة أسهمها بأسعار مرتفعة أو في وقت تكون فيه السيولة أكثر أهمية من إعادة رأس المال إلى المستثمرين.

وتكشف تجارب شركات أمريكية كبرى أن إعادة الشراء لا تحمل نتيجة واحدة بالضرورة. فقد تحولت لدى بعض الشركات إلى وسيلة فعالة لتقليص عدد الأسهم ورفع القيمة طويلة الأجل، بينما أصبحت لدى شركات أخرى استنزافًا للسيولة لم يمنع تراجع الأعمال أو حتى الإفلاس.

ومن هنا، فإن تقييم أي برنامج لإعادة شراء الأسهم لا ينبغي أن يبدأ بحجم المبلغ الذي تعلن الشركة تخصيصه، وإنما بالسؤال عن السعر الذي ستدفعه، والظروف المالية التي تمر بها، وما إذا كان هذا الاستخدام لرأس المال أفضل من البدائل المتاحة.

تقدم تجربة بيد باث آند بيوند مثالًا واضحًا على المخاطر التي قد ترافق سياسة إعادة الشراء عندما تنفصل عن واقع النشاط الأساسي.

فبين عام 2004 ونهاية السنة المالية 2022، أنفقت الشركة نحو 11.73 مليار دولار لإعادة شراء ما يقارب 265.1 مليون سهم. ورغم ضخامة المبلغ، لم تتمكن الشركة من تجنب الانزلاق إلى أزمة مالية انتهت بتقديم طلب للحماية من الإفلاس في أبريل 2023.

وبدل أن تكون إعادة شراء الأسهم وسيلة لحماية قيمة المساهمين، وجدت الشركة نفسها بحاجة إلى تمويل إضافي لمواصلة عملياتها خلال مرحلة التصفية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن جميع عمليات الشراء التي نفذتها الشركة على مدار قرابة عقدين كانت خاطئة، فظروف السوق وأداء الشركة اختلفا من مرحلة إلى أخرى. لكن التطورات الأخيرة تطرح سؤالًا أكثر أهمية حول أولوية السيولة عندما تبدأ أساسيات الشركة في التدهور.

ففي السنة المالية 2022، استهلكت الشركة نحو 991 مليون دولار نقدًا في عملياتها، بينما كانت قد أنفقت في العام السابق 589.4 مليون دولار على إعادة شراء الأسهم.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية: عندما تحتاج الشركة إلى السيولة للحفاظ على نشاطها، يصبح ضخ الأموال في شراء الأسهم أكثر خطورة، خصوصًا إذا كانت قدرة النشاط الأساسي على توليد الأرباح تتراجع.

جاذبية إعادة الشراء تنبع أساسًا من تأثيرها الحسابي المباشر على ربحية السهم.

فعلى سبيل المثال، إذا حققت شركة مليار دولار من الأرباح ولديها 100 مليون سهم، فإن ربحية السهم تبلغ 10 دولارات. وإذا أعادت شراء 10 ملايين سهم مع بقاء الأرباح عند مليار دولار، فإن الأرباح نفسها ستصبح موزعة على 90 مليون سهم، لترتفع ربحية السهم إلى نحو 11.11 دولار.

لكن هذه الزيادة لا تعني أن النشاط أصبح أكثر إنتاجية بالضرورة.

لم تتغير المبيعات في المثال، ولم ترتفع الأرباح الإجمالية، ولم تضف الشركة منتجًا جديدًا، وإنما تقلص عدد الأسهم التي تتقاسم الأرباح.

لذلك يحتاج المستثمر إلى الفصل بين ارتفاع ربحية السهم وبين ارتفاع القيمة الاقتصادية للشركة.

فالسهم قد ترتفع ربحيته بسبب انخفاض عدد الأسهم، بينما تبقى قدرة الشركة على النمو أو توليد النقد ضعيفة.

الاختبار الحقيقي لإعادة الشراء يبدأ من تقييم السهم نفسه.

لنفترض شركة تبلغ قيمتها الاقتصادية 100 مليون دولار، ولديها 10 ملايين سهم، ما يعني أن القيمة النظرية لكل سهم تبلغ 10 دولارات.

إذا اشترت الشركة مليون سهم مقابل 5 دولارات للسهم، فإنها ستدفع 5 ملايين دولار، وتبقى لديها قيمة قدرها 95 مليون دولار موزعة على 9 ملايين سهم. وبذلك ترتفع القيمة النظرية لكل سهم إلى نحو 10.56 دولار.

أما إذا اشترت الشركة الأسهم نفسها مقابل 15 دولارًا، فسوف تنفق 15 مليون دولار، لتتبقى قيمة قدرها 85 مليون دولار موزعة على 9 ملايين سهم، أي نحو 9.44 دولار للسهم.

في الحالتين، انخفض عدد الأسهم بالمقدار نفسه، لكن النتيجة الاقتصادية مختلفة تمامًا.

وهذا يعني أن إعادة شراء الأسهم بأقل من القيمة الجوهرية قد تخلق قيمة للمساهمين، بينما إعادة الشراء بأسعار مبالغ فيها قد تؤدي إلى تدميرها.

تقدم بيركشاير هاثاواي نموذجًا مختلفًا في التعامل مع هذه الأداة. فالفكرة الأساسية التي ارتبطت بسياسة الشركة في عهد وارن بافت هي أن إعادة شراء الأسهم لا ينبغي أن تتحول إلى التزام دائم، وإنما تستخدم عندما يكون سعر السهم أقل من قيمته الجوهرية بصورة واضحة ومحافظة.

وهذا المبدأ يفسر لماذا لا يعني امتلاك الشركة لسيولة ضخمة أنها مطالبة بإنفاقها على شراء أسهمها.

ففي نهاية عام 2024، امتلكت بيركشاير نحو 318 مليار دولار من النقد وما يعادله وأذون الخزانة، لكنها أنفقت نحو 2.9 مليار دولار فقط على إعادة شراء أسهمها.

الرسالة هنا واضحة: السيولة المتاحة لا تعني أن كل عملية إعادة شراء تستحق التنفيذ.

فإذا كان سعر السهم مرتفعًا، قد يكون الاحتفاظ بالنقد أفضل من دفع علاوة كبيرة مقابل ملكية تملكها الشركة أصلًا.

تواجه الشركات التي تعلن برامج ضخمة لإعادة شراء الأسهم مشكلة أخرى قد لا ينتبه إليها المستثمرون بسهولة.

فالشركة قد تنفق مليارات الدولارات على شراء أسهمها، لكنها في الوقت نفسه تصدر أسهمًا جديدة لموظفيها أو مديريها أو ضمن برامج التعويض والحوافز.

وبالتالي، فإن حجم الإنفاق وحده لا يكشف مقدار الانخفاض الحقيقي في عدد الأسهم.

ولهذا فإن متابعة صافي عدد الأسهم القائمة تصبح أكثر أهمية من متابعة قيمة برنامج إعادة الشراء.

إذا أنفقت شركة 5 مليارات دولار مثلًا على إعادة شراء الأسهم، لكنها أصدرت عددًا كبيرًا من الأسهم الجديدة، فقد يكون الأثر النهائي على قاعدة الأسهم محدودًا.

وبالتالي لا ينبغي للمستثمر أن يكتفي بعنوان يقول إن الشركة ستعيد شراء أسهم بقيمة مليارات الدولارات، بل عليه أن يتابع ما يحدث فعليًا لعدد الأسهم من سنة إلى أخرى.

في المقابل، تقدم أوتوزون نموذجًا أكثر نجاحًا لاستخدام عمليات إعادة الشراء.

فمنذ عام 1998 وحتى مايو 2025، أنفقت الشركة نحو 38.1 مليار دولار على إعادة شراء 155.5 مليون سهم، في وقت انخفض فيه عدد الأسهم القائمة إلى نحو 16.7 مليون سهم بحلول أوائل يونيو من العام نفسه.

ولم يكن تقليص عدد الأسهم منفصلًا عن نمو النشاط، بل تزامن مع ارتفاع كبير في قيمة الشركة وربحية السهم.

فقد ارتفع سعر سهم أوتوزون من قرابة 30 دولارًا إلى نحو 4 آلاف دولار خلال الفترة نفسها، بينما قفزت ربحية السهم السنوية من حوالي 1.48 دولار إلى ما يقارب 145 دولارًا.

Share Repurchases & Stock Buybacks Defined | The Motley Fool

وهنا تظهر الفكرة الأساسية: نجاح إعادة الشراء لا يأتي من مجرد تقليص عدد الأسهم، وإنما من شراء أسهم بسعر مناسب بالتوازي مع استمرار الشركة في تنمية أرباحها وقيمتها الاقتصادية.

قد يبدو توزيع الأرباح النقدية خيارًا أكثر وضوحًا، لكن إعادة الشراء تمنح الشركة والمساهمين قدرًا أكبر من المرونة.

فعندما تعيد الشركة شراء الأسهم، يستطيع المستثمر الذي يحتاج إلى السيولة بيع جزء من حصته، بينما يمكن للمساهم الآخر الاحتفاظ بأسهمه والاستفادة من ارتفاع ملكيته النسبية في الشركة.

لكن القرار لا يجب أن يقتصر على المفاضلة بين التوزيعات وإعادة الشراء.

فأمام الإدارة خيارات أخرى عديدة، من بينها الاستثمار في التوسع، تطوير المنتجات، تحسين الإنتاجية، الاستحواذ على شركات أخرى، سداد الديون أو الاحتفاظ بالسيولة لمواجهة ظروف مستقبلية غير متوقعة.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: هل إعادة شراء الأسهم أفضل من توزيع الأرباح؟

بل: هل شراء الأسهم هو أفضل استخدام ممكن لرأس المال في هذه اللحظة؟

عندما تعلن شركة عن برنامج لإعادة شراء أسهمها، ينبغي النظر إلى مجموعة من المؤشرات بدلًا من التركيز على الرقم الإجمالي للبرنامج.

أولًا، يجب معرفة حجم الانخفاض الفعلي في عدد الأسهم القائمة، وليس فقط قيمة المبالغ التي أنفقتها الشركة.

ثانيًا، يجب تقييم السعر الذي دفعت به الشركة مقابل أسهمها، ومقارنته بالقيمة الاقتصادية العادلة للسهم.

ثالثًا، يجب النظر إلى الوضع المالي للشركة: هل لديها سيولة كافية؟ هل ديونها تحت السيطرة؟ وهل نشاطها قادر على توليد تدفقات نقدية مستدامة؟

وأخيرًا، ينبغي مقارنة إعادة الشراء بالفرص البديلة: هل كان الاستثمار في النشاط الأساسي سيحقق عائدًا أعلى؟ هل كان سداد الديون أكثر فائدة؟ وهل كان الاحتفاظ بالسيولة سيمنح الشركة هامش أمان أكبر؟

توضح التجارب المختلفة أن إعادة شراء الأسهم ليست جيدة أو سيئة في حد ذاتها. فهي أداة يمكن أن تخلق قيمة كبيرة عندما تستخدمها الإدارة في الوقت المناسب وبالسعر المناسب، لكنها قد تتحول إلى قرار مكلف عندما تستخدم لتعويض ضعف النمو أو دعم مؤشرات مالية بصورة مؤقتة أو استنزاف السيولة في مرحلة تحتاج فيها الشركة إلى رأس المال.

If stocks keep sinking, should owners keep buying back their own shares? ::  Lloyd's List

وتكشف المقارنة بين أوتوزون وبيد باث آند بيوند الفارق بوضوح. فالأولى استخدمت إعادة الشراء ضمن استراتيجية طويلة الأجل ترافقت مع نمو النشاط وانخفاض حقيقي في عدد الأسهم، بينما لم تمنع المليارات التي أنفقتها الثانية من الوصول إلى أزمة مالية انتهت بالإفلاس.

ولهذا، فإن المستثمر الذكي لا يسأل فقط عن حجم برنامج إعادة الشراء، وإنما يبحث عن الإجابة في ثلاثة أسئلة أكثر أهمية: كم سهمًا سيختفي فعلًا؟ وبأي سعر ستشتري الشركة؟ وما أفضل استخدام بديل لهذه الأموال؟

في النهاية، قد تكون الإدارة بارعة في تشغيل أعمالها، لكنها ليست بالضرورة بارعة في الاستثمار في سهم شركتها.

والفرق بين الشركتين الناجحة والفاشلة في إعادة الشراء قد لا يكون في الأداة نفسها، بل في القدرة على معرفة متى تشتري الشركة نفسها بسعر يخلق قيمة، ومتى تتحول عملية الشراء إلى رهان مكلف بأموال المساهمين.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى