عوائد السندات الأمريكية تضع واشنطن أمام معادلة مالية أكثر تعقيدًا

لم يعد ارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل مجرد انعكاس للتضخم أو لتوقعات السياسة النقدية، بل تحول تدريجيًا إلى اختبار حقيقي لقدرة واشنطن على إدارة دين عام يتجاوز 40 تريليون دولار، في وقت تتزايد فيه احتياجات التمويل وتستمر الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة.
ومع تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران وما تفرضه من مخاطر إضافية على أسعار النفط والتضخم، بدأت الأسواق تنقل اهتمامها من التداعيات الجيوسياسية المباشرة إلى سؤال أوسع: إلى أي حد تستطيع الحكومة الأمريكية احتواء تكلفة الاقتراض طويل الأجل من دون المساس بثقة المستثمرين في السندات والدولار؟
هذا التساؤل يعيد إلى الواجهة تجربة تاريخية تعود إلى مطلع عام 1961، عندما وجدت واشنطن نفسها أمام معضلة مشابهة نسبيًا، تتمثل في ضرورة إبقاء الفائدة على أدوات الدين قصيرة الأجل عند مستويات مرتفعة للحد من خروج رؤوس الأموال، مع السعي في الوقت ذاته إلى خفض تكاليف الاقتراض طويل الأجل لدعم الاقتصاد.
حينها ظهرت سياسة عُرفت باسم «عملية تويست»، حيث اتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى شراء السندات طويلة الأجل وبيع الأذون قصيرة الأجل، بالتوازي مع إدارة وزارة الخزانة لآجال استحقاق الدين، بهدف التأثير في منحنى العائد من دون الاعتماد بصورة أساسية على ضخ سيولة جديدة.
ورغم اختلاف الظروف الاقتصادية جذريًا بين تلك المرحلة والوقت الراهن، فإن الفكرة الأساسية تعود اليوم إلى دائرة النقاش: كيف يمكن إعادة توزيع الضغوط داخل سوق الدين عندما تصبح العوائد طويلة الأجل مصدر قلق متزايد؟
تزامن صعود عوائد السندات مع استمرار التوترات الأمريكية الإيرانية، وهو ما أعاد المخاوف المتعلقة بالطاقة والتضخم إلى حسابات المستثمرين.
واقترب خام برنت من مستوى 94 دولارًا للبرميل، مسجلًا مكاسب تجاوزت 5% خلال أسبوع، ما يعزز احتمال استمرار الضغوط التضخمية ويزيد من صعوبة المهمة أمام السياسة النقدية والمالية الأمريكية.
لكن أداء الأسواق لم يكن موحدًا. فقد ارتفع الذهب بنحو 14% منذ بداية أغسطس متجاوزًا مستوى 4600 دولار، في حين سجلت البيتكوين مكاسب تجاوزت 20% خلال أسبوع، مقتربة من 77 ألف دولار.
ويكشف هذا التباين عن تغير في طبيعة المخاوف التي تحرك المستثمرين. فبدلًا من الاقتصار على تقييم تأثير الحرب في الطاقة والتضخم، باتت الأنظار تتجه بصورة أكبر إلى وضع المالية العامة الأمريكية ومستقبل الدين وتكلفة تمويله.
بلغ عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 30 عامًا في 18 أغسطس نحو 5.34%، وهو أعلى مستوى منذ عام 2007.
وجاء هذا الارتفاع في ظل مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها اتساع احتياجات الحكومة التمويلية، وارتفاع المخاطر التضخمية المرتبطة بالطاقة، واحتمال استمرار السياسة النقدية المتشددة، فضلًا عن المنافسة المتزايدة على السيولة بفعل الإنفاق والاستثمارات الضخمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وفي محاولة للتعامل مع أوضاع السوق، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في اليوم التالي توسيع عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل، لترفع قيمة العملية الواحدة من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل، خلال الفترة الممتدة من 9 سبتمبر إلى 4 نوفمبر.
وسرعان ما انعكس الإعلان على الأسواق، إذ تراجع العائد طويل الأجل بنحو عشر نقاط أساس، بالتزامن مع ضعف الدولار وصعود الذهب والبيتكوين.
غير أن التأثير لم يستمر طويلًا، فعاد عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.275%، بينما استقر عائد السندات لأجل 10 سنوات قرب 4.736%.
أبرز مؤشرات السوق
| المؤشر | القراءة الأخيرة | الدلالة |
|---|---|---|
| عائد سندات 30 عامًا | 5.275% | استمرار ارتفاع تكلفة التمويل طويل الأجل |
| عائد سندات 10 سنوات | 4.736% | بقاء العوائد عند مستويات مرتفعة |
| الذهب | 4680 دولارًا | ارتفاع الطلب على الأصول غير المرتبطة مباشرة بالدين الحكومي |
| البيتكوين | نحو 77 ألف دولار | استفادة من ضعف الدولار وتغير شهية المخاطرة |
| الدين العام الأمريكي | أكثر من 40 تريليون دولار | تنامي تأثير المالية العامة في تقييم الدولار |
| إعادة شراء السندات | 4 مليارات دولار أو أكثر للعملية | اهتمام أكبر بالسيولة والعوائد طويلة الأجل |
في الظروف التقليدية، يؤدي ارتفاع عوائد السندات الأمريكية إلى تقليص جاذبية الذهب، لأن المستثمر يستطيع تحقيق عائد من أدوات الدين الحكومية بدلًا من الاحتفاظ بأصل لا يولد دخلًا دوريًا.
لكن المعادلة تتغير عندما يكون ارتفاع العوائد مرتبطًا بمخاوف تتجاوز السياسة النقدية، مثل التضخم المستمر، والعجز المالي، والحاجة المتزايدة إلى الاقتراض.
في هذه الحالة، قد لا ينظر المستثمر إلى ارتفاع العائد باعتباره فرصة فحسب، بل باعتباره تعويضًا عن مخاطر أكبر.
وهنا يبرز الذهب بوصفه أصلًا لا يمثل التزامًا ماليًا على حكومة أو شركة. فإذا ازدادت المخاوف بشأن استدامة المالية العامة الأمريكية، فقد يجد المستثمرون في الذهب وسيلة لتنويع المخاطر بعيدًا عن الأصول المرتبطة مباشرة بالدولار والدين الحكومي.
أما البيتكوين، فتشارك في جزء من هذه الرواية، لكنها تختلف عن الذهب في طبيعة تحركاتها، إذ تتأثر بدرجة أكبر بالسيولة العالمية وتدفقات الاستثمار وشهية المخاطرة وتقلبات الأسواق.
ربما لم يعد ارتفاع أسعار الذهب والبيتكوين يعكس فقط مخاوف الحرب أو البحث التقليدي عن الملاذات الآمنة.
ففي مراحل سابقة من الأزمة، أدى ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم والعوائد والدولار إلى خلق بيئة غير مواتية للذهب، رغم طبيعته كأصل دفاعي.
أما التطور الأبرز حاليًا فيتمثل في انتقال مركز اهتمام المستثمرين من الحرب نفسها إلى التداعيات المالية التي قد تترتب عليها، خصوصًا إذا أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى إطالة أمد الضغوط التضخمية وإبقاء تكلفة التمويل مرتفعة.
ومن هذه الزاوية، جاءت استجابة الأسواق لإعلان الخزانة لافتة؛ فقد ارتفع الذهب بأكثر من 3%، بينما زادت البيتكوين بنحو 13% خلال يومين، بما يعكس تحولًا في تقييم المخاطر المرتبطة بسوق الدين الأمريكي.
ازدادت أهمية عمليات إعادة شراء السندات بعد تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، الذي أشار إلى إمكانية تجاوز حجم العمليات مستوى 4 مليارات دولار، معتبرًا أن العوائد الحالية قد لا تعكس بصورة كاملة الأساسيات الاقتصادية.
وتفتح هذه الخطوة الباب أمام تفسيرين.
الأول يتعلق بإدارة السوق، إذ يمكن لوزارة الخزانة استخدام عمليات إعادة الشراء لتحسين السيولة في بعض إصدارات السندات وإدارة هيكل الدين بصورة أكثر كفاءة.
أما التفسير الثاني فهو أكثر حساسية، ويتمثل في احتمال أن تكون واشنطن بدأت تتعامل مع ارتفاع العوائد طويلة الأجل باعتباره مصدر ضغط فعلي على تكلفة الاقتراض.
وفي حال ترسخت هذه القناعة لدى المستثمرين، فقد يصبح سوق السندات جزءًا من معركة أوسع على توزيع المخاطر، بحيث يتجه بعض المستثمرين إلى تقليص تعرضهم للدين الحكومي مقابل زيادة مراكزهم في أصول بديلة.
رغم قوة الرواية المتداولة في الأسواق، فإن عمليات إعادة الشراء لا تعني أن وزارة الخزانة أصبحت قادرة على فرض سقف للعوائد طويلة الأجل.
وترى سارة ينغ، رئيسة استراتيجية العملات لدى «سي آي بي سي كابيتال ماركتس»، أن رد فعل الأسواق قد يكون أقل حسمًا مما يوحي به النقاش الحالي، مشيرة إلى أن وزير الخزانة يختبر استجابة المستثمرين، فيما تختبر الأسواق بدورها مدى قدرة الخزانة على التأثير في منحنى العائد.
والدليل الأبرز يتمثل في عودة العوائد إلى الارتفاع بعد الإعلان عن عمليات إعادة الشراء.
كما أن حجم هذه العمليات يظل محدودًا مقارنة بالحجم الهائل لسوق سندات الخزانة الأمريكية، الذي يتجاوز 32 تريليون دولار، ما يجعل من الصعب اعتبارها أداة قادرة بمفردها على تغيير الاتجاه طويل الأجل للعوائد.
إضافة إلى ذلك، لا تملك وزارة الخزانة صلاحية إصدار الأموال بالطريقة التي يستطيع بها الاحتياطي الفيدرالي إدارة السيولة، وهو ما يضع حدودًا واضحة أمام قدرتها على التدخل المباشر.
قد يكون أداء الدولار المؤشر الأكثر أهمية لفهم المرحلة المقبلة.
فإذا ارتفعت عوائد السندات الأمريكية بالتزامن مع صعود الدولار، فهذا يعني أن المستثمرين لا يزالون يرون في العائد المرتفع تعويضًا كافيًا عن المخاطر، وقد يواصلون توجيه الأموال نحو الأصول الأمريكية.
أما إذا استمرت العوائد في الارتفاع بالتزامن مع تراجع الدولار وصعود الذهب، فستكون الإشارة أكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى واشنطن.
ففي هذه الحالة، لن يكون المستثمرون يطالبون بعائد أعلى فقط، وإنما بعلاوة إضافية لتعويضهم عن المخاطر المرتبطة بالتضخم والمالية العامة وقوة العملة الأمريكية على المدى الطويل.
كانت «عملية تويست» في ستينيات القرن الماضي محاولة لإعادة توزيع مخاطر آجال الاستحقاق داخل سوق السندات بما يخدم أهداف السياسة الاقتصادية في ذلك الوقت.
أما اليوم، فلا توجد نسخة مطابقة لتلك السياسة، لكن المعضلة تبدو مألوفة بصورة لافتة: خفض تكلفة الاقتراض طويل الأجل من دون خلق مخاوف أكبر بشأن التضخم أو استدامة الدين أو قيمة الدولار.
وهنا تكمن أهمية التحركات الأخيرة لوزارة الخزانة. فهي لا تمثل بالضرورة بداية سياسة جديدة، لكنها تكشف أن العوائد طويلة الأجل أصبحت عنصرًا يحظى بمتابعة أكبر داخل دوائر صنع القرار.
وفي نهاية المطاف، ستتوقف النتيجة على قدرة واشنطن على تحقيق معادلة دقيقة: تهدئة سوق السندات من دون الإضرار بثقة المستثمرين في الدولار، والحفاظ على جاذبية الدين الأمريكي من دون دفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى بصورة مستمرة.
فإذا نجحت هذه المعادلة، فقد تتراجع جاذبية الذهب والبيتكوين نسبيًا، خصوصًا إذا بقي الاقتصاد الأمريكي قويًا واستمرت الإنتاجية في دعم النمو.
أما إذا استمر ارتفاع تكلفة الدين بالتزامن مع تراجع الدولار وصعود الذهب، فقد يكون ذلك مؤشرًا على تغير أعمق في طريقة تسعير المخاطر الأمريكية.
وعندها لن يصبح السؤال الأساسي هو إلى أي مستوى يمكن أن ترتفع عوائد السندات الأمريكية؟، بل من سيتحمل تكلفة إعادة تسعير الدين الأمريكي عندما يتحول ارتفاع تكلفة الاقتراض طويل الأجل إلى عبء على واشنطن والمستثمرين في الوقت نفسه؟




