واشنطن تدرس حظر أجهزة بصرية صينية ومراكز الذكاء الاصطناعي أمام اختبار جديد

تقترب الولايات المتحدة من فتح جبهة جديدة في صراعها التكنولوجي مع الصين، مع بحث فرض قيود على استيراد نماذج جديدة من أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية الصينية المستخدمة في مراكز البيانات، في خطوة قد تمتد تداعياتها إلى واحدة من أكثر حلقات سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي حساسية.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتسارع فيه عمليات بناء مراكز البيانات العملاقة المخصصة لتدريب وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، مع انتقال الصناعة تدريجياً من الاعتماد على نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية إلى أنظمة أكثر تعقيداً قادرة على تنفيذ المهام بصورة مستقلة.
وبحسب تقارير، لا يزال الإجراء الأميركي المحتمل قيد الدراسة، ما يعني إمكانية تعديله أو التخلي عنه، إلا أن مجرد طرحه يعكس اتجاهاً متزايداً داخل واشنطن نحو تشديد الرقابة على المعدات الأجنبية التي تدخل في البنية التحتية الحيوية للذكاء الاصطناعي.
وتزداد أهمية أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية مع ارتفاع حجم العناقيد الحاسوبية المستخدمة في الذكاء الاصطناعي إلى عشرات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات.
فكلما ارتفعت كثافة الحوسبة، أصبحت الوصلات التقليدية القائمة على النحاس أقل قدرة على تلبية احتياجات نقل البيانات بسرعات هائلة، وهو ما يشار إليه في القطاع بـ«جدار النحاس».
وهنا تبرز الاتصالات البصرية باعتبارها أحد الحلول الأساسية، إذ تتيح نقل كميات ضخمة من البيانات بسرعة وكفاءة أعلى، ما يجعل أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية مكوناً لا غنى عنه في الجيل الجديد من مراكز البيانات.
وتشمل هذه السوق وحدات بسرعات 400 و800 غيغابت، إضافة إلى الجيل الناشئ من وحدات 1.6 تيرابت، وهي تقنيات أصبحت مرتبطة مباشرة بالتوسع السريع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتكشف بيانات السوق عن مدى صعوبة فصل سلسلة التوريد عن الصين بصورة سريعة.
ووفق تقديرات شركة «كونتربوينت ريسيرش»، تتصدر شركة تشونغجي إنولايت سوق أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية لمراكز البيانات عالمياً، بحصة تقارب 27% من الإيرادات، مدفوعة بموقعها القوي في سوق وحدات 800 غيغابت وبعمليات نشر مبكرة لوحدات 1.6 تيرابت.
وتأتي كوهيرنت في المرتبة الثانية بحصة تقارب 17%، بينما تواصل شركة إيبتولينك الصينية توسيع حضورها في السوق.
أما لومينتوم هولدينغز فتستحوذ على نحو 6% من إيرادات الوحدات النهائية، رغم أن أهميتها أكبر في مجال توريد مكونات الليزر المستخدمة في مراحل سابقة من سلسلة الإنتاج.
وبصورة جماعية، تستحوذ الشركات الصينية الكبرى في هذا القطاع على نسبة ضخمة من الإمدادات العالمية، ما يجعل أي قيود أميركية واسعة النطاق ذات تداعيات محتملة على مراكز البيانات وشركات الحوسبة السحابية.
وتستخدم شركات كبرى مثل أمازون ويب سيرفيسز ومايكروسوفت وغوغل وميتا كميات هائلة من هذه المكونات لتوسيع مراكز البيانات المخصصة للذكاء الاصطناعي.
لكن المشكلة الأساسية تكمن في أن المنافسين الغربيين لا يمتلكون حالياً القدرة الإنتاجية الكافية لتعويض الموردين الصينيين بسرعة إذا دخل الحظر حيز التنفيذ.
وتتمتع شركات مثل كوهيرنت ولومينتوم بخبرات متقدمة في مجال الفوتونيات والمكونات البصرية، لكنها تواجه تحديات تتعلق بطاقة الإنتاج، والغرف النظيفة، والتغليف الآلي، ومعدلات الإنتاج والاعتماد المطلوبة لتلبية الطلب المتزايد.
وقد يستغرق بناء طاقات إنتاجية بديلة 12 إلى 24 شهراً أو أكثر، في وقت لا تنتظر فيه صناعة الذكاء الاصطناعي، التي تتوسع بوتيرة استثنائية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد نقص في مكون صغير داخل مركز البيانات، إذ إن تأخر وصول أجهزة الإرسال والاستقبال قد يؤدي إلى تعطيل تشغيل عناقيد كاملة من وحدات معالجة الرسومات.
وبالنسبة لمراكز البيانات التي تعتمد على آلاف أو عشرات الآلاف من المعالجات، فإن عدم اكتمال منظومة الاتصالات بين وحدات الحوسبة قد يعني بقاء معدات بقيمة مليارات الدولارات دون استخدام كامل.
كما يمكن أن يؤدي نقص المعروض إلى ارتفاع أسعار المكونات البصرية، وبالتالي زيادة تكلفة بناء وتشغيل مراكز البيانات العملاقة، وهو ما قد ينعكس في النهاية على شركات الحوسبة السحابية والمستخدمين النهائيين لخدمات الذكاء الاصطناعي.
في المقابل، لن تكون الشركات الصينية بمنأى عن تداعيات القيود الأميركية.
فالطلب المحلي الصيني على الوحدات فائقة السرعة أقل من الطلب الأميركي، ويرتبط ذلك جزئياً بالقيود الأميركية المفروضة على تصدير معالجات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين.
وبالتالي، تعتمد الشركات الصينية المصنعة لأجهزة الإرسال والاستقبال بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية، بما فيها شركات الحوسبة السحابية الكبرى في أميركا الشمالية، للحصول على جزء مهم من إيرادات المنتجات الأعلى سرعة وقيمة.
وهذا يجعل القيود الأميركية المحتملة سلاحاً ذا حدين: فهي تضغط على الموردين الصينيين، لكنها في الوقت ذاته قد تهدد إمدادات السوق الأميركية.
وفي مواجهة الضغوط التجارية، اتجهت شركات صينية إلى توسيع عمليات التصنيع خارج البر الرئيسي للصين، خصوصاً في جنوب شرق آسيا.
وتشمل هذه العمليات التجميع النهائي والمحاذاة البصرية والاختبارات والشحن، ما يسمح للشركات بتقليل بعض المخاطر المرتبطة بالتجارة الأميركية الصينية.
لكن فعالية هذا الحل قد تعتمد على طريقة صياغة القواعد الأميركية الجديدة.
فإذا ركزت القيود على بلد التصنيع فقط، فقد تتمكن الشركات من الحفاظ على جزء من نشاطها عبر مصانع خارج الصين.
أما إذا استهدفت القواعد ملكية الشركة الأم أو السيطرة الصينية على المنتج، فقد تمتد القيود إلى الوحدات المصنعة في دول أخرى، ما قد يفرض على الشركات إعادة هيكلة عملياتها أو الدخول في شراكات جديدة.
وتكشف هذه الأزمة عن حقيقة أكثر تعقيداً في صناعة الاتصالات البصرية، وهي أن المنتج النهائي قد يكون صينياً، لكنه يعتمد على مكونات وتقنيات من دول وشركات متعددة.
وتستخدم شركات مثل إنولايت وإيبتولينك مكونات رئيسية من شركات غربية ويابانية، بما في ذلك معالجات الإشارات الرقمية من برودكوم ومارفل، ومكونات ليزر وشرائح ضوئية من شركات مثل لومينتوم وكوهيرنت وميتسوبيشي إلكتريك.
وبالتالي، فإن محاولة فصل سلسلة التوريد بالكامل على أساس جغرافي قد تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه، لأن الصناعة نفسها قائمة على شبكة مترابطة من الموردين.
ولا تعتمد قوة الشركات الصينية في هذا المجال على انخفاض تكاليف العمالة فقط.
فبعض الشركات طورت قدرات تصنيع متكاملة تشمل المحاذاة البصرية شديدة الدقة، وإدارة الحرارة، والتغليف المتقدم، والإنتاج بكميات ضخمة، وهي عناصر تحتاج إلى سنوات من الخبرة والاستثمار حتى يتمكن المنافسون من تقليدها.
وتجعل هذه القدرات عملية استبدال المورد الصيني أكثر صعوبة، حتى بالنسبة للشركات الأميركية التي تمتلك تقنيات متقدمة في المكونات الفوتونية.
وعلى المدى الطويل، يمكن أن تستفيد شركات أميركية مثل كوهيرنت ولومينتوم وأبلايد أوبتوإلكترونكس من أي تحول في المشتريات بعيداً عن الموردين الصينيين.
وقد بدأ المستثمرون بالفعل في النظر إلى هذه الشركات باعتبارها مستفيدين محتملين من إعادة تشكيل سلسلة التوريد، مع تحرك أسهم بعض الشركات البصرية الأميركية عقب التقارير التي تحدثت عن القيود المحتملة.
لكن تحقيق استفادة كاملة من هذا التحول يتطلب استثمارات ضخمة في الطاقة الإنتاجية، إضافة إلى اجتياز مراحل طويلة من الاختبار والتأهيل قبل اعتماد الموردين الجدد على نطاق واسع.
وتأتي الخطوة المحتملة ضمن توجه أميركي أوسع لتقليل الاعتماد على المعدات الصينية في البنية التحتية الحساسة.
ويبدو أن أحد الدروس الرئيسية التي تستند إليها واشنطن هو تجربة هواوي، حيث أصبح استبدال معدات الشركة الصينية في بعض شبكات الاتصالات الأميركية عملية مكلفة ومعقدة بعد انتشارها داخل البنية التحتية.
ومن هذا المنطلق، تسعى الولايات المتحدة إلى التدخل في مرحلة مبكرة قبل أن تصبح الشركات الصينية المصنعة للمعدات البصرية جزءاً لا يمكن الاستغناء عنه في بنية مراكز البيانات الأميركية.
وتكشف قضية أجهزة الإرسال والاستقبال الضوئية عن انتقال المنافسة الأميركية الصينية إلى مستوى جديد.
فالصراع لم يعد يقتصر على الرقائق والمعالجات المتقدمة، بل امتد إلى المكونات التي تربط هذه المعالجات ببعضها وتسمح لمراكز البيانات بالعمل بكفاءة.
وخلال السنوات المقبلة، ستصبح القدرة على إنتاج وحدات بصرية بسرعات تصل إلى 1.6 تيرابت وبكميات ضخمة عاملاً حاسماً في سباق الذكاء الاصطناعي.
وبينما تحاول واشنطن بناء سلسلة توريد أكثر أماناً وأقل اعتماداً على الصين، تواجه معضلة تتمثل في أن سرعة بناء مراكز البيانات تتجاوز في بعض الحالات قدرة المنافسين الغربيين على تعويض الإنتاج الصيني.
لذلك، فإن أي حظر شامل وسريع قد يحقق هدفاً استراتيجياً يتمثل في تقليل المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد، لكنه قد يخلق في المقابل اختناقات جديدة تؤخر نشر البنية التحتية التي تحتاجها الولايات المتحدة للحفاظ على موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي.




