الاقتصادية

إحياء التصنيع الأميركي.. هل يكون الطريق لإعادة بناء الطبقة الوسطى وتقليص فجوة الثروة؟

لم يعد التفوق الاقتصادي في الولايات المتحدة يُقاس فقط بقوة شركات التكنولوجيا العملاقة أو المستويات القياسية التي تسجلها أسواق الأسهم، إذ باتت قدرة الاقتصاد على توفير وظائف مستقرة ورفع دخول الأسر وتوزيع ثمار النمو بين مختلف المناطق عاملاً أساسياً في تحديد مدى متانته واستدامته.

وخلال العقود الماضية، حققت الولايات المتحدة تقدماً هائلاً في قطاعات التكنولوجيا والخدمات والتمويل، إلا أن هذا الازدهار لم يصل بالدرجة نفسها إلى جميع المدن والمجتمعات.

وفي الوقت الذي تحولت فيه مراكز اقتصادية كبرى إلى محركات للابتكار والثروة، واجهت مناطق أخرى تراجعاً في الوظائف والاستثمارات وانحساراً في الأنشطة الصناعية التي كانت تشكل العمود الفقري لاقتصاداتها المحلية.

ومع اتساع هذه الفجوة، يتزايد الاهتمام بإعادة التصنيع إلى قلب الاستراتيجية الاقتصادية الأميركية، ليس باعتباره وسيلة لتعزيز الإنتاج فقط، وإنما كأداة لإعادة بناء الطبقة الوسطى وتحقيق نمو أكثر توازناً بين الولايات والمناطق.

بدأت ملامح التفاوت في النمو الأميركي بالظهور قبل جائحة كورونا بسنوات، مع تركز الاستثمارات والوظائف ذات القيمة العالية في عدد محدود من المدن والقطاعات.

وفي المقابل، عانت مناطق أخرى من تراجع القاعدة الإنتاجية وخسارة وظائف كانت توفر دخلاً مستقراً لشرائح واسعة من السكان.

كما شهد سوق العمل تغيراً تدريجياً نحو مزيد من الاستقطاب، مع نمو الوظائف ذات الأجور المرتفعة والوظائف منخفضة الدخل، في وقت تقلصت فيه العديد من الوظائف متوسطة الأجر التي كانت تمثل أحد الأعمدة الرئيسية للطبقة الوسطى.

وجاءت الجائحة لتكشف حجم هذه الاختلالات وتزيد الضغوط على الأسر والمجتمعات التي كانت تعاني أصلاً من ضعف الفرص الاقتصادية.

وبالتالي، فإن معالجة التفاوت لم تعد قضية اجتماعية منفصلة عن الاقتصاد، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بقدرة الولايات المتحدة على تحقيق نمو أكثر استقراراً وشمولاً.

في هذا السياق، يبرز التصنيع كأحد القطاعات التي يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إعادة توزيع النشاط الاقتصادي.

فرغم أن الصناعة التحويلية تمثل نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي والوظائف، فإن تأثيرها الاقتصادي يتجاوز بكثير حصتها المباشرة.

فالقطاع يستحوذ على نحو 20% من الاستثمارات الرأسمالية في الولايات المتحدة، ويسهم بحوالي 35% من نمو الإنتاجية، ويشكل نحو 60% من الصادرات الأميركية، إلى جانب مساهمته بحوالي 70% من إنفاق الشركات على البحث والتطوير.

وتكشف هذه الأرقام أن التصنيع لا يقتصر دوره على إنتاج السلع، بل يرتبط بمجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية الأخرى، من الابتكار والتكنولوجيا إلى الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد.

ورغم استمرار نمو الصناعة الأميركية من حيث القيمة المطلقة، فإن موقعها النسبي على المستوى العالمي تراجع.

فحصة الولايات المتحدة من الإنتاج الصناعي العالمي انخفضت إلى نحو 17%، مقارنة بحوالي 25% قبل عقدين.

وفي الوقت ذاته، ساهم تراجع النشاط الصناعي في بعض المناطق في زيادة الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مع انتقال الاستثمارات والوظائف نحو قطاعات ومناطق أخرى.

وتشير هذه التطورات إلى أن التحدي لا يتمثل فقط في زيادة حجم الإنتاج الصناعي، بل في بناء قاعدة صناعية أكثر قدرة على المنافسة والتكنولوجيا والابتكار.

بحسب بحث صادر عن معهد ماكينزي العالمي، فإن استعادة القدرة التنافسية في 16 صناعة تحويلية رئيسية يمكن أن ترفع الناتج المحلي الإجمالي السنوي للولايات المتحدة بأكثر من 15%.

ولا ترتبط أهمية هذا السيناريو بزيادة الإنتاج فقط، إذ يمكن لتطوير الصناعة المحلية أن يعزز قدرة الاقتصاد الأميركي على مواجهة اضطرابات سلاسل الإمداد التي أصبحت أكثر وضوحاً خلال السنوات الأخيرة.

فزيادة الإنتاج المحلي وتطوير الموردين المحليين يمكن أن يقللا من الاعتماد على سلاسل توريد بعيدة، ويمنحا الشركات قدرة أكبر على التعامل مع الأزمات الجيوسياسية والاضطرابات التجارية.

كما يمكن لتحديث المصانع والبنية التحتية الصناعية أن يطلق موجة استثمار جديدة تشمل المعدات والأتمتة والبرمجيات والطاقة والبنية اللوجستية.

لا تقتصر أهمية التصنيع على تأثيره في الناتج المحلي أو التجارة الخارجية، إذ يمثل القطاع أيضاً مصدراً مهماً للوظائف ذات الأجور الجيدة.

ويبرز هذا الدور بشكل خاص في المناطق التي لم تستفد بالقدر نفسه من طفرة التكنولوجيا والخدمات المالية.

ويشكل التصنيع المحرك الاقتصادي الرئيسي وصاحب العمل الأكبر في نحو 500 مقاطعة أميركية، ما يمنحه قدرة كبيرة على تنشيط اقتصادات محلية بأكملها.

كما أن العديد من الوظائف الصناعية لا تشترط الحصول على شهادة جامعية مدتها أربع سنوات، وهو ما يجعلها متاحة أمام شريحة أوسع من العمال، مع إمكانية الحصول على أجور أفضل من العديد من الوظائف منخفضة الأجر في قطاع الخدمات.

ومن هذا المنظور، يمكن للصناعة أن تؤدي دوراً مهماً في إعادة بناء المسار الاقتصادي للطبقة الوسطى.

تشير التقديرات الواردة في التقرير إلى إمكانية أن يؤدي إحياء قطاع التصنيع إلى إضافة ما يصل إلى 1.5 مليون وظيفة جديدة، خصوصاً في فئة العمال ذوي المهارات المتوسطة.

ولا تعني هذه الوظائف مجرد زيادة عدد العاملين، بل يمكن أن تسهم في إعادة النشاط إلى مجتمعات تضررت من إغلاق المصانع وانتقال الإنتاج خلال العقود الماضية.

فالمصنع الجديد لا يخلق وظائف مباشرة فقط، وإنما يدعم أيضاً شركات النقل والخدمات والصيانة والموردين المحليين، ما يجعل تأثير الاستثمار الصناعي يمتد إلى قطاعات أخرى داخل الاقتصاد المحلي.

لكن إعادة بناء الصناعة الأميركية لا تعني ببساطة إعادة المصانع القديمة إلى العمل بالطريقة نفسها التي كانت تعمل بها قبل عقود.

فالقطاع الصناعي يدخل مرحلة جديدة تعتمد بصورة متزايدة على الأتمتة والروبوتات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية وتقنيات الإنتاج المتقدمة.

وهنا تكمن إحدى أكبر الفرص والتحديات في الوقت نفسه.

فالشركات الكبرى تمتلك في العادة الموارد اللازمة للاستثمار في هذه التقنيات، بينما تواجه الشركات الصناعية الصغيرة صعوبات أكبر في الحصول على التمويل والخبرات والتكنولوجيا اللازمة للتحول الرقمي.

ولهذا، فإن نجاح استراتيجية إحياء التصنيع يتطلب توفير أدوات تمويل وبرامج دعم ومسرعات أعمال تساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على تحديث عملياتها.

في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى توسيع قاعدتها الصناعية، تواجه الشركات مشكلة أخرى تتمثل في نقص العمالة المؤهلة.

فقد تجاوز عدد الوظائف الشاغرة في قطاع التصنيع مليون وظيفة في أكتوبر من العام المشار إليه في التقرير، وهو مستوى قياسي يعكس حجم الفجوة بين احتياجات المصانع والمهارات المتاحة في سوق العمل.

ولا يمكن معالجة هذه المشكلة بمجرد زيادة الأجور أو الإعلان عن وظائف جديدة، إذ تحتاج الشركات إلى بناء مسار طويل الأجل لتطوير المواهب وتأهيل العمال للوظائف الصناعية الحديثة.

إعادة جذب الشباب إلى الصناعة تتطلب تغيير الصورة التقليدية عن العمل الصناعي.

فالمصانع الحديثة أصبحت تعتمد على البرمجيات والروبوتات وأنظمة التحكم والبيانات، ما يجعل العديد من الوظائف الصناعية أقرب إلى الوظائف التقنية مما كانت عليه في السابق.

ولهذا، يمكن للشركات تعزيز التعاون مع المدارس والجامعات ومؤسسات التدريب المهني، وتقديم برامج تدريبية تمنح الشباب المهارات التي يحتاجها الاقتصاد الصناعي الجديد.

وفي الوقت نفسه، لا بد من الاستثمار في العاملين الحاليين من خلال برامج إعادة التأهيل ورفع المهارات، خصوصاً في المجالات الرقمية والتقنية.

فالتحول الرقمي من دون تطوير مهارات العاملين قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين التكنولوجيا المستخدمة في المصانع والقدرات المتوفرة لدى العمال.

من أبرز المزايا التي يمنحها القطاع الصناعي قدرته على الانتشار خارج المراكز الاقتصادية الكبرى.

فشركات التكنولوجيا والتمويل تميل إلى التركز في عدد محدود من المدن، بينما يمكن للمصانع أن تنتشر في مناطق مختلفة اعتماداً على توافر العمالة والطاقة والبنية التحتية والمواد الخام.

وهذا يجعل الاستثمار الصناعي أداة محتملة لإعادة النشاط إلى المناطق التي لم تستفد بصورة كبيرة من الاقتصاد الرقمي.

كما أن إنشاء مصنع أو توسعة منشأة صناعية يمكن أن يؤدي إلى جذب موردين وشركات خدمات جديدة، ما يخلق منظومة اقتصادية متكاملة حول النشاط الصناعي.

Task Force on Manufacturing Competitiveness | The Ronald Reagan  Presidential Foundation & Institute

يرى التقرير أن الولايات المتحدة تمتلك فرصة لإعادة إطلاق قطاع التصنيع، لكن تحقيق ذلك يتطلب التركيز على ثلاثة محاور رئيسية.

أولاً: توجيه مزيد من الاستثمارات نحو التصنيع، من خلال جذب رأس المال الخاص وتشجيع المستثمرين على النظر إلى الصناعة باعتبارها قطاعاً قادراً على خلق قيمة طويلة الأجل.

ثانياً: بناء قوة عاملة جديدة، عبر جذب المواهب وتطوير التعليم المهني ورفع مهارات العمال الحاليين بما يتناسب مع متطلبات الصناعة الرقمية.

ثالثاً: تحديث البنية الصناعية، من خلال رقمنة المصانع وتطوير المعدات وشبكات الطاقة والبنية اللوجستية واعتماد تقنيات الإنتاج المتقدمة.

تضع هذه التحولات التصنيع أمام فرصة تتجاوز مجرد زيادة الإنتاج المحلي أو تقليل الاعتماد على الخارج.

فإعادة بناء القاعدة الصناعية يمكن أن تعني أيضاً إعادة توزيع الاستثمار والوظائف والثروة بين المناطق الأميركية، ودعم المجتمعات التي فقدت جزءاً كبيراً من قاعدتها الاقتصادية خلال العقود الماضية.

وفي المقابل، فإن نجاح هذه الاستراتيجية يتوقف على قدرة الولايات المتحدة على الجمع بين رأس المال والتكنولوجيا والمهارات، بدلاً من الاكتفاء ببناء مصانع جديدة دون توفير العمالة والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها بكفاءة.

وبذلك، قد لا يكون إحياء التصنيع مجرد سياسة اقتصادية تهدف إلى زيادة الإنتاج، بل مشروعاً أوسع لإعادة بناء الطبقة الوسطى وتقليص الفجوات الجغرافية والاجتماعية وتعزيز القدرة التنافسية الأميركية.

وفي ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، من إعادة تشكيل سلاسل الإمداد إلى صعود الذكاء الاصطناعي والأتمتة، تبدو المعركة الحقيقية أمام الولايات المتحدة هي بناء صناعة حديثة قادرة على المنافسة عالمياً، وفي الوقت نفسه قادرة على خلق فرص اقتصادية واسعة داخل البلاد.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى