مليارات الدولارات في عقارات خالية.. لماذا تظل مساكن خارج سوق الإيجار رغم أزمة السكن؟

بينما تتسابق المدن الكبرى حول العالم لتوفير مساكن جديدة لمواجهة الطلب المتزايد، تتكشف ظاهرة تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع هذه الأزمة: أعداد ضخمة من المنازل والشقق موجودة بالفعل، لكنها تظل مغلقة وخارج دائرة السكن.
ولا يرتبط بقاء هذه الوحدات شاغرة دائمًا بغياب الطلب أو عدم وجود مستأجرين، إذ تقف وراء الظاهرة عوامل اقتصادية واستثمارية وقانونية متعددة، جعلت من بعض العقارات أصولًا مالية أكثر من كونها أماكن مخصصة للعيش.
وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المساكن الشاغرة تمثل 7% على الأقل من إجمالي المخزون السكني في 21 دولة تتوافر عنها بيانات قابلة للمقارنة، بينما تتجاوز النسبة 10% عند إدراج المساكن الموسمية ومنازل العطلات.
تعد العاصمة البريطانية واحدة من أبرز الأمثلة على هذه الظاهرة، إذ بلغ عدد المساكن الشاغرة فيها نحو 105.1 ألف وحدة خلال عام 2025، بقيمة إجمالية تتجاوز 40 مليار جنيه إسترليني.
وتأتي هذه الأرقام في وقت تواجه فيه لندن نقصًا في المعروض السكني وارتفاعًا في أسعار الإيجارات، ما يجعل وجود هذا الحجم من العقارات غير المستغلة موضع اهتمام متزايد.
كما وصل عدد المساكن التي ظلت شاغرة لأكثر من ستة أشهر إلى نحو 47.3 ألف وحدة، مسجلًا ارتفاعًا كبيرًا مقارنة بمستوياته في عام 2016.
ويربط مجلس لندن جزءًا من هذه الظاهرة بشراء بعض المساكن الجديدة لأغراض استثمارية والاحتفاظ بها دون إشغالها أو تأجيرها، في استراتيجية تقوم على انتظار ارتفاع قيمة الأصل مستقبلًا.
وبذلك، يتحول العقار من وحدة يفترض أن تدخل سوق السكن إلى أصل يمكن الاحتفاظ به ضمن محفظة استثمارية لفترات طويلة.
لم يعد شراء العقارات في المدن الكبرى مرتبطًا دائمًا بالحاجة إلى السكن أو تحقيق دخل من الإيجار. بالنسبة إلى بعض المستثمرين وأصحاب الثروات، أصبح العقار وسيلة لحماية رأس المال والاستفادة من ارتفاع الأسعار على المدى الطويل.
وتزداد هذه الاستراتيجية جاذبية في المدن التي تتمتع باقتصادات قوية وأراضٍ محدودة، حيث يمكن أن تصبح العقارات الفاخرة وسيلة لحفظ الثروة، حتى إذا بقيت مغلقة لفترات طويلة.
وتكشف اليابان عن حجم مختلف من المشكلة، بعدما بلغ عدد المساكن الشاغرة نحو 9 ملايين وحدة في 2023، وهو مستوى قياسي يمثل 13.8% من إجمالي المخزون السكني.
وفي الولايات المتحدة، بلغ عدد الوحدات السكنية الشاغرة نحو 14 مليون وحدة خلال 2024، ما يعكس اتساع الظاهرة وتنوع أسبابها من سوق إلى آخر.
أحد التفسيرات الاقتصادية لبقاء بعض العقارات خالية يتمثل في الرهان على ارتفاع أسعارها.
فالمستثمر الذي يتوقع زيادة كبيرة في قيمة العقار خلال السنوات المقبلة قد يعتبر العائد الناتج عن ارتفاع السعر أكثر أهمية من الإيرادات التي يمكن تحصيلها من تأجيره، خصوصًا عندما تكون تكاليف الصيانة والضرائب والتأمين والإدارة مرتفعة.
وتقدم سنغافورة نموذجًا واضحًا، بعدما ارتفع مؤشر أسعار العقارات السكنية الخاصة بنحو 38% بين نهاية 2020 ونهاية 2025.
وبناءً على ذلك، فإن عقارًا تبلغ قيمته مليوني دولار كان يمكن أن يحقق ارتفاعًا نظريًا يقارب 760 ألف دولار في قيمته خلال تلك الفترة، قبل احتساب أي عائد إيجاري أو تكاليف مرتبطة بامتلاكه.
وهذه المعادلة تفسر جزئيًا لماذا قد يفضل بعض المستثمرين الاحتفاظ بعقاراتهم بدل طرحها في سوق الإيجار، من دون أن يعني ذلك أن جميع الوحدات الشاغرة مملوكة لأغراض المضاربة.
لا يخلو تأجير العقار بدوره من المخاطر. ففي بعض الأسواق، يمكن أن تتحول العلاقة بين المالك والمستأجر إلى نزاع طويل، خصوصًا عندما تكون إجراءات الإخلاء معقدة أو تستغرق وقتًا طويلًا.
كما تفرض بعض الأنظمة قيودًا على الزيادات السنوية في الإيجارات، وهو ما قد يحد من قدرة المالك على مواكبة ارتفاع تكاليف العقار أو تغيرات السوق.
وتبرز كاليفورنيا مثالًا على ذلك، إذ يضع قانون حماية المستأجرين سقفًا للزيادات السنوية في الإيجارات بالنسبة إلى معظم الوحدات المشمولة بالقانون، إلى جانب إمكانية فرض قيود محلية أكثر تشددًا في بعض المناطق.
وفي مثل هذه الظروف، قد يرى بعض الملاك أن تأجير العقار ينطوي على التزامات ومخاطر أكبر مما يبدو للوهلة الأولى، خصوصًا إذا كانت العوائد المتوقعة محدودة مقارنة بقيمة الأصل.
كما قد يلجأ بعض مالكي العقارات إلى تقديم حوافز مؤقتة للمستأجرين بدل تخفيض الإيجار الأساسي، للحفاظ على مستوى القيمة الإيجارية المسجل للعقار.
لكن الاحتفاظ بالعقار فارغًا لا يعني أن المالك يتجنب التكاليف.
فإلى جانب خسارة الإيرادات المحتملة، تظل هناك مصاريف مرتبطة بالضرائب والمرافق والتأمين والصيانة والحفاظ على العقار في حالة جيدة.
وتقدر السلطات في جنوب أوكسفوردشاير أن إبقاء منزل مكون من غرفتين شاغرًا لمدة عام يمكن أن يكلف مالكه نحو 18.9 ألف جنيه إسترليني، عند احتساب الإيجار المفقود والتكاليف الأخرى.
ومع ذلك، قد يعتبر بعض المستثمرين هذه التكلفة مقبولة إذا كانت توقعاتهم تشير إلى ارتفاع كبير في قيمة العقار، أو إذا كانوا يرون أن إدارة المستأجرين تنطوي على مخاطر وتكاليف مرتفعة.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: ما يبدو خسارة بالنسبة إلى سوق الإسكان قد يكون بالنسبة إلى مالك العقار تكلفة مؤقتة للاحتفاظ بأصل يتوقع أن ترتفع قيمته.
ومع تنامي الضغوط على أسواق الإسكان، بدأت حكومات ومدن عديدة في البحث عن وسائل لإجبار الملاك على إعادة الوحدات الشاغرة إلى السوق.
وتبرز فانكوفر في كندا كإحدى التجارب البارزة، بعدما اعتمدت نظامًا يفرض على ملاك العقارات السكنية الإفصاح سنويًا عن وضع وحداتهم ضمن إطار ضريبة المنازل الشاغرة.
وأظهرت بيانات المدينة تراجع عدد العقارات المصنفة شاغرة بنسبة 58% بين عامي 2017 و2023، فيما خصصت نحو 169.8 مليون دولار كندي لمبادرات الإسكان الميسور التكلفة منذ بدء تطبيق الضريبة.

لكن تجربة فانكوفر لا تعني أن فرض الضرائب يمثل حلًا مضمونًا في جميع المدن، إذ تشدد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية على أهمية امتلاك السلطات بيانات دقيقة حول الوحدات الشاغرة، وقدرة فعالة على المراقبة والتنفيذ.
كما أن نجاح هذه السياسات يرتبط بدرجة كبيرة بتصميمها وطبيعة سوق الإسكان في كل مدينة، فضلًا عن حجم التكاليف الإدارية اللازمة لتطبيقها.
تكشف ظاهرة العقارات الشاغرة أن أزمة الإسكان العالمية قد تكون أكثر تعقيدًا من مجرد عدم بناء عدد كافٍ من المنازل.
فقد تمتلك مدينة ما آلاف الوحدات السكنية التي يمكن نظريًا استخدامها لإيواء السكان، لكنها تظل خارج السوق بسبب الاستثمار أو الميراث أو الحاجة إلى الترميم أو التعقيدات القانونية أو أسباب أخرى.
وفي هذه الحالة، يصبح التحدي الحقيقي هو كيفية تحويل المخزون السكني الموجود بالفعل إلى مساكن متاحة وقابلة للاستخدام.
فوراء كل نافذة مغلقة قد توجد قصة مختلفة، لكن النتيجة الاقتصادية واحدة عندما يبقى العقار خارج سوق السكن في مدينة تعاني نقصًا في المعروض.
وفي النهاية، تعكس هذه الظاهرة تحولًا أوسع في طبيعة العقارات داخل الاقتصاد العالمي؛ فالعقار الذي كان يُنظر إليه أساسًا باعتباره مكانًا للسكن أصبح بالنسبة إلى شريحة من المستثمرين أداة لحفظ الثروة وتحقيق المكاسب الرأسمالية.
ومن هنا، لا يعود السؤال مجرد: لماذا يترك المالك عقاره خاليًا؟ بل يصبح السؤال الأوسع: هل تكمن أزمة السكن فعلًا في نقص العقارات، أم في أن جزءًا كبيرًا من العقارات الموجودة لم يعد يؤدي وظيفته السكنية؟




