الأسهمالاقتصادية

كيف يصنع العقل أنماطاً زائفة في الأسواق المالية ويقع في فخ الخسارة ؟

تُظهر بعض تجارب علم النفس السلوكي أن العقل البشري لا يتعامل مع العشوائية كما هي، بل يسعى دائماً إلى فرض نظام ومعنى حتى عندما لا يوجد أي رابط حقيقي بين الأحداث.

هذا الميل العميق لفهم العالم عبر “أنماط” قد يبدو مفيداً في الحياة اليومية، لكنه يتحول في الأسواق المالية إلى مصدر مستمر للأخطاء المكلفة.

في سبعينيات القرن الماضي، قدّم عالم النفس بورهوس سكينر واحدة من أكثر التجارب دلالة على هذا السلوك. فقد وضع مجموعة من الحمام داخل أقفاص تُقدَّم فيها الحبوب بشكل عشوائي تماماً، دون أي علاقة بسلوك الطيور أو حركتها، وبفواصل زمنية غير مرتبطة بأي نمط يمكن التنبؤ به.

ورغم غياب أي علاقة سببية حقيقية، لاحظ سكينر أن معظم الطيور بدأت في تطوير سلوكيات متكررة أشبه بطقوس ثابتة. بعضها كان يدور داخل القفص في اتجاه معين بين كل وجبة وأخرى، بينما كان آخر يكرر حركات محددة برأسه نحو زاوية معينة، وكأن هذه الأفعال هي التي “تستجلب” الطعام.

هذا السلوك، الذي وصفه لاحقاً بـ“الخرافة السلوكية”، كشف ميلاً فطرياً لدى الكائنات الحية لربط الأفعال بالنتائج حتى في بيئات تحكمها العشوائية الكاملة.

لكن هذا النمط لا يقتصر على الحيوانات.

Important Trading Tips & Advice | Trading Rules | CMC Markets

في علم النفس المعرفي، يُعرف هذا الميل لدى البشر باسم “البحث القهري عن الأنماط” أو Apophenia، وهو انحياز يجعل العقل يربط بين أحداث منفصلة لا تجمعها أي علاقة حقيقية، في محاولة لبناء تفسير منظم لواقع معقد أو غير متوقع.

وفي الأسواق المالية، يصبح هذا الانحياز أكثر وضوحاً وتأثيراً. إذ يميل العديد من المتداولين إلى رفض فكرة أن جزءاً من تحركات الأسعار قد يكون عشوائياً أو نتيجة توازنات لحظية بين العرض والطلب. وبدلاً من ذلك، يتم بناء سرديات تربط كل حركة سعرية بأحداث اقتصادية أو سياسية أو حتى أنماط مرئية على الرسوم البيانية، تُعامل وكأنها إشارات دقيقة للمستقبل.

ومع الوقت، تتحول هذه السرديات إلى قناعة راسخة بأن السوق يتحرك وفق “أنماط قابلة للاكتشاف”، ما يمنح المتداول شعوراً زائفاً بالتحكم.

لكن الخلل يبدأ عندما يصبح البحث عن الأنماط بديلاً عن قراءة الواقع.

Block Trading: Definition and Strategic Insights | Capital.com EU

تشير دراسة لجامعة كولومبيا حول سلوك المستثمرين الأفراد إلى أن نحو 64% من المتداولين يميلون إلى تعزيز مراكز خاسرة أو تكرار صفقات غير ناجحة اعتماداً على ما يسمونه “أنماطاً تاريخية”، مثل الاعتقاد بأن سهمًا معيناً يجب أن يرتفع في فترة زمنية محددة لأنه فعل ذلك في سنوات سابقة.

هذا النوع من التفكير يتجاهل المتغيرات الأساسية مثل أداء الشركات، والديون، والطلب الفعلي، وظروف السوق العامة، ويقع ضمن ما يُعرف بـ“الارتباط الشرطي الزائف”، حيث يتم افتراض علاقة سببية بين أحداث لا تربطها أي علاقة منطقية.

ومن هذا النمط تنبثق واحدة من أكثر المغالطات شيوعاً: “مغالطة المقامر”.

فعندما يشاهد المتداول سلسلة من الانخفاضات في سهم معين، قد يقتنع بأن الارتداد أصبح “حتمياً” لأن الهبوط “لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية”. لكن من منظور إحصائي، كل جلسة تداول حدث مستقل بذاته، تماماً كما أن رمية عملة لا تتأثر بنتائج الرميات السابقة.

وتشير بيانات معهد باركلي للأبحاث المالية إلى أن المتداولين الذين يعتمدون على هذا التفكير العكسي يتكبدون خسائر تفوق متوسط السوق بنحو 140%، نتيجة تجاهلهم العوامل الأساسية التي تحرك الأسعار فعلياً، مثل السيولة والطلب والأداء التشغيلي.

أحد أبرز الأمثلة على هذا الميل ظهر خلال “الانهيار الخاطف” في الأسواق الأمريكية يوم 6 مايو 2010، عندما هبط مؤشر “داو جونز” بنحو 1000 نقطة خلال دقائق معدودة، قبل أن يستعيد معظم خسائره في الجلسة نفسها.

في الساعات التالية، ظهرت موجة من التفسيرات المتناقضة: هجمات سيبرانية، عمليات تلاعب من صناديق تحوط، أو مؤامرات منظمة لإسقاط السوق. لكن التحقيقات الرسمية لاحقاً خلصت إلى أن السبب كان أمراً بيعياً ضخماً نفذته خوارزمية استثمارية، ما أدى إلى سلسلة تفاعلات آلية بين أنظمة التداول عالية التردد خلقت فجوة سيولة مؤقتة.

الحدث لم يكن مخططاً، لكنه كشف مدى ميل الأسواق إلى إنتاج “قصص تفسيرية” حتى عندما يكون التفسير التقني البسيط كافياً.

هذا الميل كلف بعض المستثمرين المحترفين خسائر كبيرة، من أبرزهم ريتشارد دنيس، الذي بنى ثروته في السبعينيات والثمانينيات على استراتيجيات تعتمد على تتبع الاتجاهات السعرية.

كان دنيس يؤمن بأن الأسواق تتحرك في أنماط واضحة، وأن اختراق القمم يعني استمرار الصعود. لكن خلال انهيار أكتوبر 1987، حين فقد مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” أكثر من 20% في يوم واحد، تعامل مع الهبوط باعتباره “تصحيحاً مؤقتاً”، لا تحولاً في الاتجاه.

استمر في تعزيز مراكزه الشرائية، ما أدى إلى خسائر قاربت 100 مليون دولار، أي نحو نصف ثروته آنذاك.

ما تكشفه هذه الحالات أن أكبر مخاطر الأسواق لا تنبع من نقص المعلومات، بل من الإفراط في محاولة تفسير كل حركة ضمن نمط مفترض. فالعقل البشري بطبيعته يحوّل الصدفة إلى قصة، والعشوائية إلى قانون، والتقلب اللحظي إلى نموذج قابل للتكرار.

وكما أظهر سكينر في تجربته مع الحمام، فإن الميل لبناء “طقوس” تفسيرية لا يتوقف حتى في غياب أي علاقة سببية.

وفي الأسواق المالية، قد يكون هذا الميل كافياً لتحويل الاقتناع الخاطئ إلى خسارة حقيقية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى