الاقتصاديةالتكنولوجيا

مراكز البيانات وثورة الذكاء الاصطناعي.. بين التقدم الرقمي والضغط المتزايد على المناخ

في قلب مدينة لويل بولاية ماساتشوستس الأمريكية، تعمل منشأة حوسبة عملاقة على مدار الساعة، حيث تدور ملايين المعالجات دون توقف لتغذية الطلب المتسارع على تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبينما تعالج هذه الخوادم كميات هائلة من البيانات، تتصاعد من أنظمة التبريد سحب من الهواء الساخن تمتزج بالمناطق السكنية المحيطة، في مشهد يجسد الجانب الخفي للثورة الرقمية.

هذا الواقع لم يعد حالة فردية، بل أصبح جزءاً من ظاهرة بيئية آخذة في الاتساع تُعرف باسم “الجزر الحرارية لمراكز البيانات”، والتي باتت تثير اهتماماً علمياً متزايداً بشأن تأثير البنية التحتية الرقمية على المناخ المحلي والعالمي.

وفي دراسة حديثة أعدها باحثون من جامعة كامبريدج بالتعاون مع مؤسسات بحثية دولية ونُشرت في مارس، تم تحليل صور الأقمار الصناعية لنحو 6000 مركز بيانات حول العالم خلال فترة تمتد لعشرين عاماً، حيث كشفت النتائج عن ارتفاع واضح في درجات الحرارة المحيطة بهذه المنشآت.

وأظهرت الدراسة أن وجود مراكز البيانات يؤدي إلى زيادة متوسط حرارة سطح الأرض في المناطق المجاورة بنحو درجتين مئويتين، فيما وصلت الزيادات في بعض المناطق إلى 9.1 درجات مئوية، مع امتداد التأثير الحراري إلى مسافات قد تبلغ 10 كيلومترات.

ويقدّر الباحثون أن أكثر من 340 مليون شخص يعيشون داخل نطاق هذه المناطق المتأثرة، ما يزيد من مخاطر الإجهاد الحراري ويرفع الطلب على التبريد، الأمر الذي ينعكس بدوره على استهلاك الكهرباء وجودة الحياة والصحة العامة.

ويرجع هذا الارتفاع الحراري إلى الكميات الضخمة من الطاقة الحرارية التي تولدها الخوادم أثناء معالجة البيانات، ما يستلزم تشغيل أنظمة تبريد على مدار الساعة. وخلال فترات الحر الشديد، يرتفع استهلاك الكهرباء بشكل إضافي، وقد تلجأ بعض المراكز إلى مولدات تعمل بالديزل، ما يؤدي إلى زيادة الانبعاثات وتدهور جودة الهواء في المناطق المجاورة.

وفي حي “ساكريد هارت” بمدينة لويل تحديداً، اشتكى السكان من الضوضاء المستمرة الناتجة عن أنظمة التبريد الخاصة بمركز بيانات محلي، في وقت صنّفت فيه السلطات هذا الحي ضمن المناطق الأكثر عرضة للمخاطر البيئية والصحية.

ولا يقتصر هذا النمط على الولايات المتحدة، إذ تشير الدراسة إلى تكراره في مناطق أخرى مثل إقليم أراغون في إسبانيا، ومنطقة باخيو في المكسيك، وولايتي سيارا وبياوي في البرازيل، حيث ارتبط توسع مراكز البيانات بارتفاعات حرارية غير معتادة.

AI Data Center Boom and Renaissance of Sustainability Tech

وتتجاوز التداعيات البعد الحراري لتشمل استهلاك الموارد الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه. وتشير تقديرات شركة “جارتنر” إلى أن استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء قد يصل إلى 565 تيراواط ساعة في 2026، مقارنة بـ447 تيراواط ساعة في 2025، ما يعكس تسارعاً كبيراً في الطلب على الطاقة.

أما في ما يتعلق بالمياه، فتتوقع “أليانز تريد” أن تحتاج مراكز البيانات إلى ما بين 1.3 و1.8 تريليون لتر سنوياً بحلول عام 2030 لتبريد الخوادم، وهو ما يعادل تقريباً الاستهلاك السنوي لدولة مثل سويسرا.

وعلى صعيد الانبعاثات الكربونية، تُسهم مراكز البيانات بنحو 3% من إجمالي البصمة الكربونية العالمية، وهي نسبة تقارب مساهمة قطاع الطيران. كما يتوقع “مورغان ستانلي” أن تضيف هذه المنشآت نحو 2.5 مليار طن متري من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030.

وتشير تقديرات “أليانز” إلى أن الانبعاثات الناتجة عن هذا القطاع بلغت نحو 286 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون في عام 2025، مع توقعات بتضاعفها خلال السنوات المقبلة، ما قد يؤدي إلى خسائر مناخية سنوية تُقدر بنحو 154 مليار دولار مع نهاية العقد الحالي.

ورغم أن مراكز البيانات أصبحت العمود الفقري لثورة الذكاء الاصطناعي الحديثة، فإن توسعها السريع يفرض تحديات متزايدة تتعلق بالتوازن بين التقدم التكنولوجي والاستدامة البيئية، في وقت تتصاعد فيه الحاجة إلى حلول تقلل من أثرها البيئي وتضمن إدارة أكثر كفاءة للموارد الطبيعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى