الشركات الفرنسية ترفع رهاناتها الاستثمارية في المغرب عبر قطاعات استراتيجية

تتجه الشركات الفرنسية إلى توسيع حضورها الاستثماري في المغرب، مستفيدة من تنوع القطاعات الواعدة وتسارع المشاريع الكبرى التي تشهدها المملكة، خصوصًا في مجالات السيارات والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والطيران والقطاع البحري والفندقة، وفق ما أوردته صحيفة «لا تريبون» الفرنسية.
وأبرزت الصحيفة المتخصصة في الشؤون الاقتصادية، في تقرير حول فرص الاستثمار الجديدة أمام الشركات الفرنسية في المغرب، أن العلاقات الاقتصادية بين الرباط وباريس اكتسبت زخمًا إضافيًا عقب الزيارة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024، بدعوة من الملك محمد السادس.
وخلال تلك الزيارة، جرى توقيع 33 عقدًا واتفاقية بقيمة إجمالية بلغت نحو 10,7 ملايير أورو، في خطوة عكست رغبة البلدين في إعطاء دفعة جديدة للشراكة الاقتصادية والاستثمارية بينهما.
وأوضحت «لا تريبون» أن الدينامية الجديدة للشراكة الفرنسية المغربية ترتكز بشكل خاص على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في الاستعداد للاستحقاقات الرياضية الكبرى، ومواجهة تحديات ندرة المياه، إلى جانب تسريع تطوير الطاقات المتجددة.
وترى الصحيفة أن قطاعات الطيران والسيارات والطاقات المتجددة، إلى جانب التكنولوجيا الزراعية والصناعات الغذائية، تبرز ضمن المجالات التي توفر فرصًا مهمة أمام المستثمرين الفرنسيين.
كما ساهمت الاستعدادات المرتبطة بتنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم 2025، ثم استضافة المملكة إلى جانب إسبانيا والبرتغال لكأس العالم 2030، في تسريع وتيرة المشاريع والاستثمارات المرتبطة بالبنيات التحتية.
وتشمل هذه الدينامية تطوير المنشآت الرياضية وشبكات النقل والربط السككي والجوي، فضلًا عن الفنادق والمنشآت السياحية والتكنولوجيات الرقمية ومشاريع التهيئة الحضرية، ما يفتح المجال أمام الشركات الأجنبية للمشاركة في سلسلة واسعة من المشاريع المرتبطة بهذه الاستحقاقات.
وفي قطاع الطاقة، سلطت الصحيفة الضوء على استراتيجية المغرب القائمة على تنويع مزيج الطاقة من خلال الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر، مشيرة إلى أن المملكة تستهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 50 في المائة من القدرة الكهربائية المركبة بحلول 2030، مقارنة بأكثر من 46 في المائة حاليًا.
وأشارت «لا تريبون» إلى أن اهتمام الشركات الفرنسية بالسوق المغربية ظهر بوضوح خلال الدورة الثانية من منتدى «التوجه نحو المغرب»، الذي احتضنته مدينة مونبلييه الفرنسية مؤخرًا.
ويعكس تنظيم المنتدى، بحسب الصحيفة، استمرار جهات فرنسية في تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع المغرب، خصوصًا جهة أوكسيتاني وحاضرة مونبلييه، اللتين تربطهما علاقات تاريخية مع المملكة، من بينها اتفاقية التوأمة بين مونبلييه وفاس.
ونقلت الصحيفة عن نائب رئيس جهة أوكسيتاني المكلف بالتنمية، جليل بنعبد الله، أن نحو 600 مقاولة استفادت من برامج المواكبة، في حين تحتضن «دار الجهة» الموجودة في الدار البيضاء حاليًا 22 مقاولة أخرى.
ويأتي هذا الاهتمام في سياق اقتصادي شهد خلاله المغرب نموًا للناتج الداخلي الخام بنسبة 4,9 في المائة خلال 2025، فيما برزت المملكة، وفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة استنادًا إلى تصنيف البنك الإفريقي للتنمية لسنة 2026، في مجالي البنيات التحتية والصناعة، متقدمة إلى المرتبة الأولى على مستوى القارة في هذا التصنيف.
وترى «لا تريبون» أن التحدي الرئيسي أمام المغرب يتمثل في تحويل هذا النمو الاقتصادي إلى آثار ملموسة على سوق الشغل والقدرة الشرائية، وهو ما يضع الاستثمار الخاص ضمن أولويات السياسة الاقتصادية للمملكة.
وفي هذا الإطار، حددت الصحيفة خمس أولويات اقتصادية رئيسية، تشمل تسريع وتيرة الاستثمار الخاص، ورفع تنافسية الشركات، وتعزيز مساهمة المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، وتطوير الكفاءات والمهارات، إلى جانب دعم توسع الشركات المغربية في الأسواق الخارجية.
وتتزامن هذه الأولويات مع تنامي الشراكات بين الفاعلين الاقتصاديين المغاربة والفرنسيين في عدد من القطاعات الاستراتيجية، خاصة الهيدروجين الأخضر والوقود الاصطناعي المتجدد، فضلًا عن مشاريع الطاقة الشمسية والريحية.
وضمن خريطة المشاريع المستقبلية، برزت مدينة الداخلة كإحدى المناطق التي تحظى باهتمام متزايد من المستثمرين، خصوصًا مع المشاريع المرتبطة بالطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
كما يمثل مشروع ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز الأوراش التي تراهن عليها المملكة لتعزيز موقع المنطقة وربطها بشكل أكبر بحركة التجارة الدولية، بما يمكن أن يدعم المبادلات التجارية مع الأسواق الإفريقية والأوروبية والأمريكية.
وبذلك، تتسع مجالات التعاون الاقتصادي المغربي الفرنسي لتشمل قطاعات تقليدية مثل السيارات والطيران والصناعات الغذائية، إلى جانب مجالات استراتيجية جديدة ترتبط بالطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية والرقمنة، في وقت تستعد فيه المملكة لاستحقاقات كبرى قد تعزز حجم المشاريع والاستثمارات خلال السنوات المقبلة.




