اقتصاد المغربالأخبارالاقتصادية

جبل تروبيك في الأطلسي.. كنز معدني واعد يفتح سباقاً جيوسياسياً بين المغرب وإسبانيا

في أعماق المحيط الأطلسي، جنوب أرخبيل جزر الكناري، يواصل جبل “تروبيك” البحري جذب اهتمام الأوساط العلمية والجيوسياسية على حد سواء، بعدما كشفت دراسة أوروبية حديثة أنه لا يقتصر على كونه تكويناً فوسفاتياً عادياً، بل قد يمثل خزّاناً لمجموعة من المعادن الاستراتيجية المرتبطة بصناعات المستقبل.

هذا المعطى الجديد يعيد طرح الملف في سياق أكثر تعقيداً، حيث تختلط الجيولوجيا بحسابات التنافس الدبلوماسي بين المغرب وإسبانيا.

الدراسة المنشورة في مجلة Minerals العلمية، والتي أنجزها فريق من الباحثين الأوروبيين، اعتمدت على تحليل صخور “الفوسفوريت” في عدد من التشكيلات البحرية العميقة بالمحيط الأطلسي، من بينها جبل “تروبيك” وجبل “سين” وبنك “غاليسيا”.

وتؤكد النتائج أن هذه التكوينات لا تقتصر وظيفتها على كونها مصدراً للفوسفات المستخدم في القطاع الزراعي، بل تشكل أيضاً مؤشراً جيولوجياً مهماً على وجود تراكمات معدنية عالية القيمة الاقتصادية.

وتشير المعطيات العلمية إلى أن صخور الفوسفوريت في جبل “تروبيك” تتميز بتركيز مرتفع من خماسي أكسيد الفوسفور، يصل إلى مستويات مشابهة لتلك المسجلة في بعض المناجم البرية المستغلة حالياً.

غير أن القيمة الحقيقية، وفق الدراسة، تكمن في ارتباط هذه الصخور بتكوينات غنية بعناصر استراتيجية مثل الكوبالت والمنغنيز والإيتريوم، إلى جانب العناصر الأرضية النادرة، وهي مواد أساسية في الصناعات التكنولوجية المتقدمة، خصوصاً البطاريات، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات الدقيقة.

هذا النوع من الاكتشافات يعزز فكرة أن أعماق البحار قد تتحول إلى أحد أهم مصادر الموارد الحيوية في الاقتصاد العالمي المقبل، ما يجعل من مناطق مثل جبل “تروبيك” نقاط اهتمام متزايدة لدى القوى الصناعية الكبرى. ومع ذلك، فإن تحويل هذه الإمكانات إلى ثروات قابلة للاستغلال يبقى مرتبطاً بعوامل قانونية وسياسية معقدة.

وفي السياق المغربي، فإن هذه النتائج تضيف بعداً جديداً إلى مكانة المغرب كأحد أبرز الفاعلين عالمياً في قطاع الفوسفات، إذ توحي بامتداد جيولوجي محتمل نحو المجال البحري الأطلسي قد يحمل فرصاً مستقبلية في مجالات الطاقة والتكنولوجيا. غير أن خبراء يؤكدون أن أي حديث عن استغلال مباشر لهذه الموارد لا يزال سابقاً لأوانه في ظل غياب إطار قانوني نهائي يحدد وضع المنطقة.

وتظل الإشكالية الأساسية مرتبطة بملف ترسيم الحدود البحرية، إذ يقع جبل “تروبيك” ضمن نطاق بحري حساس قبالة سواحل الصحراء وأرخبيل جزر الكناري، ما يجعل المنطقة نقطة تقاطع لمصالح جيوسياسية بين الرباط ومدريد. وحتى الآن، لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي وشامل بشأن الحدود البحرية في هذا الجزء من الأطلسي، الأمر الذي يبقي وضعية الموارد المحتملة غير محسومة قانونياً.

ومع استمرار التقدم العلمي في استكشاف أعماق المحيطات، يبرز جبل “تروبيك” كنموذج واضح على تداخل المعرفة الجيولوجية مع الحسابات السياسية، حيث تتحول البيانات العلمية إلى عنصر مؤثر في النقاشات المرتبطة بالقانون الدولي وتوازنات المصالح.

وبينما تتوسع دائرة الاكتشافات، يبقى مستقبل هذا “الكنز المعدني” معلقاً بين ما تكشفه المختبرات العلمية، وما تحسمه طاولات التفاوض الدبلوماسي.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى