اقتصاد المغربالأخبار

صعود مغربي ونفوذ صيني يعيدان رسم موازين القوة في مضيق جبل طارق

لم يعد مضيق جبل طارق مجرد ممر بحري استراتيجي يربط بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى ساحة تنافس اقتصادي ولوجستي متصاعد تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية. وفي قلب هذه التحولات، يبرز المغرب كلاعب صاعد يعزز نفوذه عبر مشاريع الموانئ والصناعة، بينما توسع الصين حضورها الاستثماري على ضفتي المضيق، في مشهد يعيد رسم موازين القوة التجارية في المنطقة.

وفي هذا الإطار، أفادت صحيفة “لاراثون” الإسبانية بأن المنافسة في محيط المضيق لم تعد تقتصر على المغرب وإسبانيا كما كان الحال خلال العقود الماضية، بل أصبحت الصين طرفاً رئيسياً يسعى إلى ترسيخ نفوذه من خلال استثمارات واسعة في الموانئ والبنية التحتية والصناعات الاستراتيجية.

وأوضحت الصحيفة أن ميناء طنجة المتوسط واصل تعزيز موقعه كأحد أبرز المراكز اللوجستية العالمية، بعدما تفوق على ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني في حجم مناولة الحاويات. ووفقاً للتقرير، أصبح الميناء المغربي يستحوذ على نحو 47 في المائة من إجمالي حركة الحاويات بالموانئ الرئيسية المطلة على المضيق، في تحول يعكس تغيراً جوهرياً في خريطة النقل البحري بالمنطقة.

وسجل ميناء طنجة المتوسط خلال سنة 2024 أكثر من 10.2 ملايين حاوية، بينما بلغت حركة الحاويات بميناء الجزيرة الخضراء نحو 4.7 ملايين حاوية خلال سنة 2025، وهو ما يعزز مكانة المغرب كمحور رئيسي للتجارة البحرية بين أوروبا وإفريقيا والأمريكيتين.

وأرجع التقرير جزءاً من هذا التحول إلى التشريعات البيئية الأوروبية التي فرضت تكاليف إضافية على السفن العاملة داخل موانئ الاتحاد الأوروبي، ما دفع عدداً من شركات الشحن إلى تفضيل ميناء طنجة المتوسط باعتباره بديلاً أكثر تنافسية من حيث التكلفة.

كما أشارت الصحيفة إلى أن المنافسة مرشحة للاشتداد مع اقتراب دخول ميناء الناظور غرب المتوسط الخدمة، وهو مشروع استراتيجي يُنتظر أن يرفع الطاقة الاستيعابية للمغرب ويعزز حضوره في سوق الخدمات اللوجستية والنقل البحري بالمتوسط.

وفي المقابل، لفت التقرير إلى اتساع النفوذ الصيني داخل إسبانيا، حيث تمتلك شركة “كوسكو” الصينية حصصاً مهمة في محطات الحاويات بموانئ رئيسية مثل فالنسيا وبلباو، إضافة إلى استثمارات مرتبطة بشبكات النقل والسكك الحديدية، في إطار استراتيجية أوسع لتعزيز الحضور الصيني في الممرات التجارية الأوروبية.

أما في المغرب، فقد ركزت الصحيفة على تنامي الاستثمارات الصينية في قطاع السيارات الكهربائية، مشيرة إلى إطلاق مشاريع صناعية لإنتاج البطاريات ومكوناتها بالقرب من القنيطرة، مستفيدة من الموقع الجغرافي للمملكة واتفاقياتها التجارية مع الاتحاد الأوروبي، بما يمنح المنتجات المصنعة بالمغرب امتيازات تنافسية داخل الأسواق الأوروبية.

وترى “لاراثون” أن هذه الدينامية قد تمنح المغرب أفضلية متزايدة في سباق صناعة السيارات الكهربائية، في وقت تسعى فيه إسبانيا ودول أوروبية أخرى إلى بناء سلاسل إنتاج محلية وتقليص الاعتماد على الموردين الآسيويين.

وعلى الصعيد العسكري، تناول التقرير تنامي التعاون الدفاعي بين الرباط وبكين خلال السنوات الأخيرة، من خلال اقتناء تجهيزات ومنظومات عسكرية صينية متطورة، في مؤشر على اتساع مجالات التعاون بين البلدين لتشمل قطاعات استراتيجية تتجاوز الاقتصاد والاستثمار.

وخلصت الصحيفة إلى أن التوسع الصيني المتزايد، بالتوازي مع الصعود الاقتصادي واللوجستي للمغرب، يفرض واقعاً جديداً حول مضيق جبل طارق، ويجعل المنطقة محوراً لمعادلات جيوسياسية واقتصادية أكثر تعقيداً في السنوات المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى