النيكل يدخل مرحلة تسعير جديدة.. إندونيسيا تعيد رسم توازنات السوق العالمية

يشهد سوق النيكل العالمي تحولًا لافتًا في بنيته التسعيرية، مع دخول مرحلة جديدة تتسم بتشدد واضح في المعروض وتدخلات غير مباشرة من قبل السلطات الإندونيسية في إدارة توازنات السوق.
هذا التحول جاء بعد كسر نطاق التداول الذي استقر لأسابيع بين 17,000 و18,000 دولار للطن، لتقفز الأسعار إلى مستويات تقارب 19,200 دولار، قبل أن تستقر ضمن نطاق جديد يتراوح بين 18,500 و20,000 دولار للطن، مع تسجيل ذروة بلغت 19,600 دولار في إحدى الجلسات الأخيرة.
هذا الارتفاع لا يُفسَّر فقط كحركة دورية مؤقتة، بل يُنظر إليه من قبل عدد من الفاعلين في القطاع على أنه انعكاس لتغيرات هيكلية أعمق تعيد تشكيل سوق النيكل على المدى الطويل.
في هذا السياق، يرى مارك سيلبي، الرئيس التنفيذي لشركة Canada Nickel، أن السوق لا يمر بموجة ارتفاع عابرة، بل أمام “بداية نظام تسعير جديد”، مشيرًا إلى أن التحولات التي تقودها إندونيسيا، أكبر منتج عالمي للنيكل، أعادت صياغة منحنى التكاليف وهيكل العرض، بما يرسخ مستويات سعرية مرتفعة بشكل مستدام.
أحد أبرز محركات هذا التحول يتمثل في نظام الحصص الإنتاجية الذي تعتمده جاكرتا، والذي ساهم بشكل مباشر في تقليص المعروض العالمي على المدى القصير. وقد انعكس ذلك بوضوح مع قرار شركة Eramet تعليق عملياتها في منجم “ويدا باي” بعد استنفاد حصتها السنوية البالغة 12 مليون طن من الخام، وهو أحد أهم مصادر الإمداد للصناعات التحويلية المحلية في إندونيسيا.
ويبرز هذا المثال مدى فعالية السياسة الإندونيسية في التحكم في تدفق الخام، بما يتيح لها التأثير المباشر على توازن العرض والطلب العالمي.
إندونيسيا لم تكتفِ بنظام الحصص، بل اعتمدت مقاربة أكثر مرونة تقوم على الانتقال من حصص تمتد لثلاث سنوات إلى نظام سنوي، ما يمنحها قدرة أعلى على تعديل الإمدادات تبعًا لظروف السوق.
هذا النموذج، بحسب مراقبين، لا يستهدف خفض المعروض بشكل حاد، بل إدارة الارتفاعات السعرية ضمن نطاق محسوب، بما يمنع انهيارات مفاجئة أو في المقابل طفرة غير مضبوطة قد تجذب دخول منافسين جدد بتكاليف إنتاج مرتفعة.
وتشير تقديرات السوق إلى أن نطاق 20,000 إلى 21,000 دولار للطن يمثل مستوى “توازن مدروس”، يحقق عوائد مرتفعة للمنتجين الإندونيسيين دون تحفيز توسعات إنتاجية خارجية قد تهدد حصتهم السوقية.
و على جانب آخر، تلعب تكاليف المدخلات دورًا متزايدًا في دعم الأسعار، خصوصًا مع الارتفاع الحاد في أسعار الكبريت التي تجاوزت 1,000 دولار للطن، مقارنة بنحو 150 دولارًا قبل 18 شهرًا فقط.
ويُعد هذا العامل حاسمًا في تقنيات إنتاج النيكل عبر الاستخلاص بالضغط الحمضي العالي (HPAL)، حيث تؤدي كل زيادة بمقدار 100 دولار في سعر الكبريت إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج بما يتراوح بين 1,000 و1,200 دولار للطن من النيكل، ما يضيف ضغطًا تضخميًا إضافيًا على السوق.
تتفاقم هذه الضغوط في ظل مخاطر جيوسياسية مرتبطة بإمدادات الكبريت، خاصة مع استمرار إغلاق مضيق هرمز الذي يمثل نحو 25% من الإمدادات العالمية وقرابة 75% من واردات إندونيسيا من هذه المادة الحيوية.
وفي حال استمرار هذا الاضطراب، قد يتراجع إنتاج تقنيات HPAL بشكل ملحوظ، وهو ما قد يدفع بأسعار النيكل إلى مستويات أعلى بفارق قد يصل إلى آلاف الدولارات للطن.




