الاقتصادية

من صالات الانتظار إلى مراكز اقتصادية.. كيف تحوّل المطارات وقت المسافر إلى مليارات؟

عندما تتأخر الطائرة، يبدأ المسافر عادةً في حساب الدقائق التي تفصله عن موعد الإقلاع، بينما تنظر إدارة المطار إلى المشهد من زاوية مختلفة تمامًا.

فالساعات الإضافية التي يقضيها الركاب داخل مباني المسافرين يمكن أن تتحول إلى فرص تجارية تدر عائدات متزايدة من المطاعم والمتاجر والخدمات المختلفة.

هذا التحول يعكس إعادة تعريف لدور المطارات في صناعة السفر، إذ لم تعد مهمتها تقتصر على استقبال الطائرات وتنظيم حركة الركاب، بل أصبحت تبني حول المسافر منظومة متكاملة من التسوق والطعام والترفيه والخدمات الرقمية، بهدف زيادة الإنفاق وتحقيق أقصى استفادة من الوقت الذي يقضيه داخل المنشأة.

ومع عودة حركة السفر العالمية إلى مستويات قياسية، اتسعت أهمية هذا النموذج بصورة أكبر. ووفقًا لمجلس المطارات الدولي، استقبلت المطارات حول العالم نحو 9.5 مليار مسافر خلال عام 2024، متجاوزة مستويات ما قبل جائحة كورونا، وهو ما يمنح القطاع قاعدة ضخمة من المستهلكين المحتملين.

تعتمد المطارات تقليديًا على نوعين من الإيرادات. الأول يرتبط بالنشاط الجوي، مثل رسوم هبوط الطائرات ورسوم استخدام مرافق المطار وخدمات المسافرين، بينما يأتي النوع الثاني من الأنشطة التجارية التي لا ترتبط مباشرة بالطيران.

وتشمل هذه الإيرادات مبيعات المتاجر والمطاعم والمقاهي، ومواقف السيارات، والإعلانات، والصالات الخاصة، وتحويل العملات، ومرافق الترفيه والخدمات الأخرى.

5 Things Business Travelers Don't Know About Airport Lounge Access In 2026

وتشكل الأنشطة غير المرتبطة بالطيران نحو 40% من إجمالي إيرادات المطارات عالميًا وفق بيانات مجلس المطارات الدولي، فيما ترتفع مساهمتها في بعض المطارات الكبرى إلى مستويات تقترب من نصف الإيرادات.

وهكذا أصبح نجاح المطار لا يقاس فقط بعدد الرحلات التي يستقبلها، وإنما أيضًا بقدرته على تحويل تدفق المسافرين إلى نشاط اقتصادي مستمر.

ربما لا يوجد مثال أوضح على هذا التحول من مطار شانغي في سنغافورة، الذي نجح في تجاوز النموذج التقليدي للمطار وتحويل جزء كبير من منشآته إلى وجهة للتسوق والترفيه.

ويأتي مشروع «جوهرة شانغي» في مقدمة هذه التجربة، إذ بلغت تكلفة تطويره نحو 1.7 مليار دولار سنغافوري، وضم أكثر من 280 متجرًا ومطعمًا، إلى جانب الحدائق الداخلية والمرافق الترفيهية والشلال الداخلي الشهير.

وتواصلت الاستثمارات في تطوير المطار، إذ أعلنت مجموعة مطار شانغي في 2024 عن خطة لضخ نحو 2.2 مليار دولار إضافية في تحديث مباني الركاب وتحسين تجربة المسافرين.

والهدف واضح: جعل المسافر يقضي وقتًا أطول داخل المطار، ولكن في بيئة تشجعه على الاستهلاك بدلًا من النظر إلى الانتظار باعتباره عبئًا.

في الحسابات التجارية للمطارات، أصبحت الفترة التي يقضيها المسافر داخل مبنى الركاب بعد إنهاء إجراءات الأمن وحتى صعوده إلى الطائرة ذات قيمة متزايدة.

لكن المطارات لا تسعى بالضرورة إلى إطالة الانتظار، وإنما تعمل على تقليص الوقت الضائع في الطوابير والإجراءات، ومنح المسافر مساحة أكبر للاستفادة من المتاجر والمطاعم والخدمات.

وتشير دراسات للاتحاد الدولي للنقل الجوي إلى أن تقليل القلق الناتج عن إجراءات التفتيش وتحسين حركة الركاب داخل الصالات يمكن أن يشجعهم على قضاء وقت أطول في المناطق التجارية.

وتظهر دراسة شملت 86 مطارًا أمريكيًا أن زيادة زمن المكوث بنسبة 10% يمكن أن ترفع الإيرادات غير المرتبطة بالطيران بنحو 5%، في حين قد ترتفع إيرادات الأغذية والمشروبات بنحو 8% وإيرادات التجزئة بنحو 6%.

Patrik Bayardo On What Passengers Expect From Airline Business Lounges

وهنا تظهر معادلة اقتصادية بسيطة: كلما أصبح المسافر أكثر راحة وأقل انشغالًا بالإجراءات، زادت احتمالات توجهه نحو الإنفاق.

لم تعد المطارات تنظر إلى التكنولوجيا باعتبارها وسيلة لتسريع إجراءات السفر فقط، بل أصبحت أداة لتحسين التجربة التجارية أيضًا.

فأنظمة التعرف البيومتري، وبوابات الجوازات الآلية، وخدمات تسليم الأمتعة ذاتيًا، وأنظمة التوجيه الرقمي تساعد في تقليص الطوابير وتحسين حركة المسافرين، وهو ما يوفر مزيدًا من الوقت يمكن استثماره داخل المطار.

ويبرز مطار هيثرو في لندن ضمن المطارات التي تستثمر في التكنولوجيا وإدارة حركة الركاب بهدف تحسين الكفاءة وتجربة المستخدم.

وخلال 2024، سجل المطار إيرادات بلغت نحو 3.48 مليار جنيه إسترليني، بينما وصل صافي أرباحه إلى 961 مليون جنيه إسترليني، بالتزامن مع استقبال قرابة 84 مليون مسافر.

وبالنسبة للمطارات، فإن زيادة عدد المسافرين لا تعني فقط المزيد من الرحلات، وإنما تعني أيضًا ملايين فرص الإنفاق الإضافية.

قد لا يبدو شراء قهوة أو وجبة خفيفة قبل الرحلة نشاطًا اقتصاديًا مهمًا بالنسبة للمسافر، لكن تكرار هذه المعاملة ملايين المرات سنويًا يجعلها مصدر دخل كبيرًا.

ويمتد الإنفاق إلى الإلكترونيات ومستحضرات التجميل والسلع الفاخرة والهدايا، إضافة إلى مواقف السيارات وتحويل العملات وتغليف الأمتعة وغيرها من الخدمات.

وبحسب الاتحاد العالمي للأسواق الحرة وتجارة السفر، بلغت قيمة تجارة التجزئة الموجهة للمسافرين عالميًا نحو 86 مليار دولار في 2024، وسط توقعات بتجاوز 100 مليار دولار قبل نهاية العقد الحالي.

وهذا النمو يجعل المطارات ساحة جذابة للعلامات التجارية العالمية، خصوصًا شركات السلع الفاخرة مثل «إل في إم إتش» و«كيرينغ»، التي تنظر إلى المسافر الدولي باعتباره مستهلكًا يتمتع بقوة شرائية مرتفعة.

تتجه المطارات أيضًا إلى استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم سلوك المسافرين بصورة أكثر دقة.

فالتطبيقات الرقمية يمكنها تقديم عروض مخصصة وفق موعد الرحلة وبرامج الولاء وسجل المشتريات، بينما تساعد الخرائط الذكية المسافر على الوصول إلى المتاجر والمطاعم الموجودة في طريقه.

كما تتيح بعض الأنظمة حجز الطعام أو المنتجات عبر الهاتف، بحيث يستلمها المسافر بالقرب من بوابة الصعود، وهو ما يحول الوقت القصير المتاح قبل الإقلاع إلى فرصة تجارية.

أما على المستوى التشغيلي، فتستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي تحليل حركة الركاب والتنبؤ بمستويات الطلب، لمساعدة المتاجر والمطاعم على إدارة المخزون والموظفين وفقًا لحركة المسافرين.

وتستخدم مطارات مثل سخيبول في أمستردام وشانغي في سنغافورة تحليلات حركة الركاب للمساعدة في تحديد المواقع الأكثر ملاءمة للمتاجر والإعلانات والخدمات التجارية.

في ظل تقارب مستوى الخدمات الأساسية التي تقدمها شركات الطيران، أصبحت المطارات نفسها تدخل في منافسة لجذب المسافرين وتحسين تجربتهم.

ولهذا تتوسع المطارات الكبرى في المطاعم الراقية ومناطق التسوق والصالات الخاصة والحدائق والمرافق الترفيهية ومناطق الاسترخاء، في محاولة لتحويل فترة الانتظار إلى تجربة إيجابية.

وتبرز مطارات شانغي وحمد الدولي وهانيدا ضمن النماذج التي تبني جزءًا من سمعتها العالمية على جودة تجربة المسافر، وليس فقط على حجم حركة الطيران.

وتشير بيانات مجلس المطارات الدولي إلى أن زيادة رضا المسافرين بنسبة 1% ترتبط في المتوسط بنمو الإيرادات غير المرتبطة بالطيران بنسبة 1.5%، بما يعكس العلاقة المباشرة بين جودة التجربة والعائد التجاري.

مع توسع حركة السفر وتطور احتياجات الركاب، يبدو أن المطار المستقبلي لن يشبه بالضرورة المطار التقليدي الذي اعتاد المسافرون دخوله قبل الرحلة بفترة قصيرة ثم مغادرته بعد دقائق من الهبوط.

بل يتجه إلى نموذج أقرب إلى مدينة اقتصادية مصغرة، تضم التسوق والطعام والترفيه والخدمات الرقمية، وتستفيد من البيانات لفهم حركة ملايين المسافرين وتوجيه إنفاقهم.

وفي هذه المعادلة، لم تعد قيمة المطار محصورة في المدارج والطائرات وبوابات الصعود، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرته على إدارة وقت المسافر.

فالدقيقة التي كان ينظر إليها الراكب باعتبارها انتظارًا مزعجًا، يمكن أن تتحول بالنسبة للمطار إلى عملية شراء، وفنجان قهوة، ووجبة، وإعلان، وموقف سيارة أو خدمة إضافية.

وهكذا، فإن مستقبل اقتصاد المطارات قد لا يعتمد فقط على عدد المسافرين الذين يعبرون من بواباته، وإنما على مقدار القيمة الاقتصادية التي يستطيع استخراجها من كل دقيقة يقضيها هؤلاء المسافرون داخله.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى