المقاول الذاتي بالمغرب.. مشاريع صغيرة تصطدم بواقع التمويل والضرائب وضعف المواكبة

كان حلم بناء مشروع خاص بوابة للخروج من قيود الوظيفة التقليدية وتحقيق الاستقلال المالي بالنسبة لمحمد الخلوقي، غير أن هذا الطموح سرعان ما اصطدم بتحديات صعبة جعلته يضع حداً لنشاطه بعد سنوات قليلة من الانطلاقة. فبعد أن راهن على مشروع في مجال الأثاث الخشبي والديكورات المنزلية المستوحاة من التراث المغربي، وجد نفسه عاجزاً عن مواصلة المسار في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع المبيعات وتزايد الالتزامات المالية.
وأطلق الخلوقي مشروعه سنة 2022 مستفيداً من برنامج “انطلاقة” الذي وضعته الحكومة المغربية لدعم حاملي المشاريع الصغيرة، حيث حصل على تمويل بنكي بقيمة 200 ألف درهم، إلى جانب جزء من مدخراته الشخصية، قبل أن يستثمر المبلغ في استئجار محل وتجهيز الورشة والاستعانة بعمال للمساعدة في الإنتاج.
وأكد أن الأشهر الأولى حملت مؤشرات إيجابية، غير أن تغيرات السوق خلال الفترة الأخيرة قلبت المعادلة، بعدما ارتفعت أسعار المواد الأولية بشكل كبير، وتراجع إقبال الزبناء على اقتناء منتجات الديكور والأثاث، ما أدى إلى تراجع هامش الربح وجعل تغطية المصاريف اليومية أكثر صعوبة.
وأوضح أن تكاليف الأجور والكراء والمستلزمات التشغيلية أصبحت تشكل ضغطاً كبيراً على المشروع، مضيفاً أن النظام الضريبي الذي كان في البداية عاملاً مشجعاً على دخول عالم المقاولة تحول لاحقاً إلى عبء إضافي، خصوصاً مع ارتفاع الالتزامات بالنسبة لبعض المقاولين الذاتيين الذين تتجاوز أنشطتهم سقفاً معيناً من الأرباح.
ولا تعكس تجربة الخلوقي حالة فردية، إذ تواجه شريحة من المقاولين الذاتيين بالمغرب تحديات مشابهة منذ إطلاق هذا النظام سنة 2015، الذي جاء بهدف تشجيع المبادرة الفردية وإدماج جزء من الاقتصاد غير المهيكل داخل الدورة الاقتصادية الرسمية.
ويعتبر الاقتصاد غير المهيكل أحد الملفات الكبرى التي دفعت الدولة إلى إطلاق برامج لدعم التشغيل الذاتي، خاصة في ظل مساهمته المهمة في الاقتصاد الوطني، حيث تشير تقديرات بنك المغرب إلى أن القطاع غير المهيكل يمثل جزءاً مهماً من الثروة المنتجة بالمملكة.
ورغم أن نظام المقاول الذاتي انطلق بمجموعة من التحفيزات، من بينها تبسيط إجراءات إنشاء النشاط، واعتماد نظام ضريبي مخفف، والاستفادة من بعض خدمات الحماية الاجتماعية، فإن عدداً من المستفيدين واجهوا لاحقاً صعوبات مرتبطة بضعف التمويل، وتعقيد بعض المساطر الإدارية، وغياب مواكبة مستمرة تمكنهم من تطوير مشاريعهم.
ومن بين الأمثلة التي تعكس هذه الإشكالات حالة عبد المولى، وهو حرفي ينشط في مجال الصناعات الجلدية التقليدية بمدينة وزان، حيث وجد نفسه أمام التزامات مالية إضافية مرتبطة بالتغطية الصحية، بعدما اضطر إلى التعامل مع أكثر من نظام مرتبط بوضعه المهني.
وأوضح أن التمويل الذي حصل عليه لم يكن كافياً لتوسيع نشاطه، ما دفعه إلى الاعتماد على مساعدة أفراد أسرته، قبل أن تتراكم عليه الديون بسبب محدودية الأرباح وضعف النشاط الاقتصادي المحلي، ليجد نفسه في النهاية مضطراً إلى التفكير في إنهاء المشروع.
ويرى عدد من الخبراء والمهنيين أن أبرز نقاط ضعف منظومة المقاول الذاتي تكمن في غياب هيئة موحدة تتولى مواكبة أصحاب المشاريع والاستماع إلى مشاكلهم واقتراح حلول عملية تساعدهم على تجاوز الصعوبات التي تواجههم خلال السنوات الأولى.
وفي هذا السياق، اعتبر متخصصون في مجال ريادة الأعمال أن البرنامج، رغم أهدافه الإيجابية، يحتاج إلى إعادة النظر في طريقة تنزيله، لأن نجاح المقاولات الصغيرة لا يرتبط فقط بمنح صفة قانونية أو تسهيل التسجيل، بل يتطلب أيضاً مواكبة تقنية وتجارية وتمويلاً مناسباً.
من جهته، يرى عبد الله الفركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، أن دعم الشباب الراغب في إنشاء مشاريع خاصة يجب أن يقوم على منظومة متكاملة تشمل التكوين، وتسهيل الوصول إلى الأسواق، وتبسيط الإجراءات الإدارية، إضافة إلى منح تحفيزات ضريبية خلال السنوات الأولى من النشاط.
وأكد أن العديد من المقاولات الناشئة تحتاج إلى وقت قبل تحقيق أرباح مستقرة، وبالتالي فإن تحميلها أعباء مالية مرتفعة في مراحلها الأولى قد يهدد قدرتها على الاستمرار.
وأثارت حالات انسحاب وإغلاق عدد من مشاريع المقاولين الذاتيين خلال الفترة الأخيرة نقاشاً واسعاً حول مستقبل هذا النظام، بعدما كان يُنظر إليه كإحدى الآليات الأساسية لمحاربة البطالة وتشجيع الشباب على دخول عالم الأعمال.
ويؤكد فاعلون اقتصاديون أن الحل لا يكمن في التخلي عن تجربة المقاول الذاتي، وإنما في تطويرها عبر بناء منظومة أكثر شمولاً تجمع بين التمويل والمواكبة والتكوين والدعم الإداري، والاستفادة من تجارب دول نجحت في جعل المقاولات الصغيرة محركاً أساسياً للنمو الاقتصادي.
ويبقى مستقبل هذا النظام رهيناً بقدرة مختلف المتدخلين على الانتقال من مرحلة تسجيل المقاولين إلى مرحلة مرافقتهم فعلياً، حتى يصبح العمل الحر خياراً اقتصادياً مستقراً وليس مجرد تجربة قصيرة تنتهي أمام أولى الصعوبات.




