مراكش تعزز جاذبيتها العقارية وتستقطب جيلاً جديداً من المستثمرين الدوليين

تتجه سوق العقارات الراقية في مراكش نحو مرحلة جديدة من النمو، مع اتساع قاعدة المشترين الدوليين وتزايد الإقبال على المدينة ليس فقط كوجهة سياحية، وإنما كموقع للإقامة والاستثمار وامتلاك المنازل الثانية.
ويأتي هذا التحول في وقت تشهد فيه المدينة الحمراء تطوراً متسارعاً في البنية التحتية وتوسعاً في الخدمات الموجهة للسكان والزوار الدوليين.
وبحسب تقرير حديث لشركة «نايت فرانك» البريطانية المتخصصة في الاستشارات العقارية، برزت مراكش خلال السنوات الأخيرة كواحدة من أكثر الأسواق العقارية ديناميكية في شمال إفريقيا، مستفيدة من عودة الطلب الدولي بعد جائحة كورونا، إلى جانب تغير تركيبة المشترين، مع حضور متزايد لفئات شابة إلى جانب المتقاعدين والعائلات.
ولا يزال الأوروبيون في مقدمة المهتمين بالعقار المراكشي، خصوصاً الفرنسيين والبلجيكيين والبريطانيين، غير أن السوق بدأت تستقطب شرائح جديدة، من بينها أفراد الجالية المغربية المقيمون بالخارج، وخاصة في الولايات المتحدة، إلى جانب مستثمرين من منطقة الشرق الأوسط، وفي مقدمتهم الإماراتيون.
ومن أبرز التحولات التي رصدها التقرير تغير طريقة اتخاذ قرار الشراء، إذ يفضل عدد متزايد من المشترين ذوي القدرات المالية المرتفعة الإقامة في مراكش لفترة تتراوح بين ستة أشهر و12 شهراً قبل اقتناء عقار.
وتمنح هذه التجربة المشترين فرصة للتعرف على الأحياء المختلفة، واختبار جودة الخدمات اليومية، والاطلاع على المدارس ومرافق الرعاية الصحية، فضلاً عن تقييم ظروف الحياة في المدينة قبل ضخ استثمار عقاري طويل الأجل.
ويعكس هذا الاتجاه انتقال السوق من نموذج يعتمد أساساً على شراء عقارات لقضاء العطلات إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالإقامة الفعلية والعمل عن بعد ونمط الحياة، وهو ما يوسع قاعدة الطلب على العقارات الراقية.
وتستفيد مراكش في الوقت نفسه من موجة استثمارات واسعة في البنية التحتية، مدفوعة جزئياً بالتحضيرات المرتبطة باستضافة المغرب لكأس العالم 2030.
ويبرز ضمن المشاريع المنتظرة تطوير الربط بالقطار فائق السرعة بين الدار البيضاء ومراكش، بما قد يخفض زمن الرحلة إلى نحو 90 دقيقة، ويزيد اندماج المدينة مع المراكز الاقتصادية الرئيسية في المملكة.
كما تشكل توسعة مطار مراكش المنارة عاملاً إضافياً لدعم السوق العقارية، في ظل خطط لرفع طاقته الاستيعابية إلى نحو ضعف مستواه الحالي.
ويشير تقرير «نايت فرانك» إلى أن المطار يوفر حالياً رحلات مباشرة إلى 111 وجهة، من بينها نيويورك والرياض، وهو ما يمنح مراكش قدرة أكبر على استقطاب المشترين والسياح من الأسواق الدولية.
ولا تنفصل ديناميكية العقارات الفاخرة عن التطور الذي يشهده القطاع الفندقي، إذ تساهم المشاريع الجديدة في رفع معايير الجودة وتعزيز ثقة المستثمرين والمشترين في السوق المحلية.
وتحافظ مراكش على جاذبيتها بالنسبة للمشترين القادمين من شمال أوروبا، بفضل مناخها المشمس خلال أشهر الشتاء، وهو عامل يدعم الطلب على المنازل الثانية ويزيد من فرص تحقيق عوائد من الإيجارات قصيرة الأجل.
وتقدر «نايت فرانك» العوائد الإجمالية من الإيجارات قصيرة الأجل في السوق الراقية بما يتراوح بين 7 و10%، ما يجعل العقار يجمع بين الاستخدام الشخصي وإمكانات الاستثمار.
وفي الوقت الذي شهد فيه السوق العقاري العام استقراراً نسبياً منذ عام 2023، واصلت بعض المناطق الراقية في مراكش تسجيل ضغوط صعودية على الأسعار.
وتتراوح أسعار العقارات السكنية الفاخرة عادة بين 5500 و7000 يورو للمتر المربع، مع تسجيل مستويات أعلى في بعض الفيلات والمشروعات ذات المواصفات الاستثنائية.
وتبرز مناطق مثل «رويال بالم» و«النخيل» وبعض العقارات الموجودة داخل المدينة القديمة ضمن المواقع التي تشهد طلباً قوياً، حيث يقدر التقرير أن أسعار بعض الأصول الراقية ارتفعت بين 10 و15% خلال العامين الماضيين.
ويرتبط هذا الأداء بشكل أساسي بمحدودية المعروض من العقارات ذات الجودة العالية، مقابل استمرار تدفق الطلب الدولي.
ويشكل محدودية المعروض أحد أبرز العوامل المؤثرة في السوق، خصوصاً بالنسبة إلى العقارات الجاهزة للسكن والتسليم.
وتتكون نسبة كبيرة من الخيارات المتاحة من فيلات مفروشة معروضة لإعادة البيع، في وقت يبدي فيه المشترون الأصغر سناً استعداداً أكبر لشراء عقارات تحتاج إلى إعادة التأهيل والتجديد.
وفي المقابل، يميل المتقاعدون والعائلات والمشترون الذين لا يمتلكون الوقت الكافي للإشراف على عمليات الترميم إلى تفضيل العقارات الجاهزة، ما يجعل هذه الفئة أكثر ندرة وقابلية للحفاظ على قيمتها.
ويؤدي هذا التفاوت بين العرض والطلب إلى زيادة المنافسة على العقارات المتميزة، خصوصاً في المناطق التي تتمتع بموقع وخدمات وبنية سياحية قوية.
ولا يرتبط صعود مراكش العقاري بالعوائد المالية وحدها، إذ أصبح نمط الحياة أحد أهم عناصر الجذب بالنسبة للمشترين الأجانب.
فالمدينة تجمع بين المناخ، والتراث الثقافي، وتنوع الأنشطة السياحية، وتكاليف المعيشة التي لا تزال تنافسية مقارنة بعدد من الوجهات الأوروبية، فضلاً عن توفر الخدمات الأساسية.
كما يمثل توفر التعليم الدولي والرعاية الصحية عاملاً مهماً في جذب العائلات التي تبحث عن إقامة طويلة الأجل، مع وجود مؤسسات تعتمد المناهج الفرنسية والأمريكية، إلى جانب توقعات بزيادة حضور المدارس التي تقدم التعليم باللغة الإنجليزية.
وتشير «نايت فرانك» إلى أن مراكش تتحول تدريجياً إلى سوق دولية أكثر تنظيماً للمنازل الثانية، مستفيدة من مستويات أسعار لا تزال أقل من العديد من الأسواق الأوروبية المنافسة.
ومن المنتظر أن يستمر هذا الزخم خلال الفترة المقبلة مدفوعاً بثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في ندرة العقارات عالية الجودة، واستمرار الطلب الدولي، وتسارع الاستثمارات في البنية التحتية.
وفي هذا السياق، تتوقع الشركة ارتفاع قيمة العقارات الفاخرة في مراكش بنحو 6% خلال عام 2026، بما يعكس استمرار ثقة المستثمرين في مستقبل السوق.
وتشير هذه التطورات إلى أن مراكش لم تعد تعتمد فقط على مكانتها كوجهة سياحية عالمية، بل باتت تتجه نحو بناء سوق عقارية فاخرة تستقطب مستثمرين ومشترين من خلفيات وجنسيات مختلفة، مع احتمال أن تعزز مشاريع البنية التحتية والطلب الدولي موقعها كإحدى أبرز وجهات المنازل الثانية في المنطقة.




