الاتحاد الأوروبي يربط دعم التحول الرقمي بالمغرب بشروط الأمن السيبراني

يتجه التعاون الرقمي بين المغرب والاتحاد الأوروبي نحو مرحلة أكثر ارتباطاً بأمن البنية التحتية التكنولوجية، بعدما باتت الاستفادة من التمويلات الأوروبية الموجهة للمشاريع الرقمية مرتبطة باحترام معايير دقيقة تخص الأمن السيبراني واختيار موردي تجهيزات الاتصالات.
ويبرز هذا التوجه بشكل خاص ضمن برنامج الشراكة الرقمية مع المغرب «PAP-NUM»، الذي خصص له الاتحاد الأوروبي تمويلاً يناهز 20 مليون يورو، في إطار حزمة أوسع تصل قيمتها إلى 148 مليون يورو أقرتها المفوضية الأوروبية برسم سنة 2026.
ويستهدف البرنامج دعم المملكة في تنفيذ مجموعة من الأوراش المرتبطة بالتحول الرقمي، من بينها نشر شبكات الجيل الخامس 5G، وتوسيع خدمات الإنترنت عالي الصبيب بالمناطق القروية، وتعزيز البنية التحتية للكابلات البحرية ومراكز البيانات، فضلاً عن تطوير الحوسبة السحابية واستخدامات الذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر التعاون الأوروبي على تمويل البنية التحتية الرقمية، بل يمتد إلى تعزيز المنظومة التنظيمية والمؤسساتية المرتبطة بالقطاع، خصوصاً في مجالات الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية.
كما يتضمن البرنامج مواكبة المؤسسات المغربية المختصة في تنظيم الاتصالات وتأمين الأنظمة المعلوماتية، بهدف رفع قدرتها على مواجهة المخاطر والتهديدات الرقمية التي أصبحت ترافق التوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا.
غير أن التمويل الأوروبي يأتي مصحوباً بقيود واضحة على نوعية التجهيزات والموردين الذين يمكن الاستعانة بهم في المشاريع المدعومة.
وتنص شروط البرنامج على استبعاد التجهيزات التي توفرها شركات مصنفة ضمن فئة «الموردين ذوي المخاطر العالية»، سواء تعلق الأمر بتمويل مباشر من المفوضية الأوروبية أو بمشاريع تنفذ عبر شركاء ماليين.
ورغم أن وثائق الشراكة الرقمية مع المغرب لا تحدد أسماء شركات بعينها، فإن مفهوم «الموردين ذوي المخاطر العالية» يحيل إلى المقاربة الأوروبية المعتمدة في مجال أمن شبكات الجيل الخامس.
وفي هذا الإطار، سبق للمفوضية الأوروبية أن اعتبرت شركتي Huawei وZTE من الموردين الذين يمثلون مستوى أعلى من المخاطر بالنسبة إلى أمن شبكات 5G، ضمن توجه أوروبي يهدف إلى حماية البنية التحتية الرقمية الحيوية.
وبالتالي، ستكون المشاريع المغربية المستفيدة من التمويل الأوروبي مطالبة بمراعاة هذه المعايير عند اختيار المعدات والحلول التقنية ومقدمي خدمات الاتصالات.
لكن هذه الشروط لا تعني فرض حظر شامل على الشركات المعنية داخل السوق المغربية، إذ ينحصر أثرها في المشاريع التي تستفيد من التمويل الأوروبي وتخضع لشروطه.
وتكتسب هذه المعايير أهمية متزايدة بالنسبة إلى المغرب في ظل تسارع عملية تطوير شبكات الجيل الخامس، التي دخلت مرحلة التشغيل الرسمي خلال نوفمبر 2025، بالتوازي مع تنفيذ استراتيجية «المغرب الرقمي 2030».
وتراهن المملكة على هذه الاستراتيجية لتطوير البنية التحتية الرقمية، وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية، وتشجيع الابتكار واستخدام التقنيات الحديثة في قطاعات اقتصادية وإدارية متعددة.
ومن المنتظر أن يساهم الدعم الأوروبي في تسريع عدد من المشاريع المرتبطة بهذه الأهداف، خصوصاً تلك التي تتطلب استثمارات كبيرة، مثل مراكز البيانات وشبكات الاتصالات والكابلات البحرية والبنية التحتية للحوسبة السحابية.
ويعكس ربط التمويل الأوروبي بمعايير الأمن السيبراني تحولاً في طبيعة التعامل مع البنية التحتية الرقمية، التي لم تعد مجرد أدوات لتحسين سرعة الاتصالات وتوسيع التغطية، بل أصبحت جزءاً من البنية الاستراتيجية للدول.
فشبكات الجيل الخامس ومراكز البيانات والكابلات البحرية باتت مرتبطة بشكل مباشر بقضايا حماية البيانات وأمن المعلومات واستمرارية الخدمات الحيوية، الأمر الذي جعل هوية الشركات المزودة للتكنولوجيا ومصدر المعدات عاملاً أساسياً في قرارات الاستثمار.
وفي ظل هذا السياق، يواجه المغرب فرصة لتعزيز بنيته الرقمية والاستفادة من الخبرات والتمويلات الأوروبية، مع التعامل في الوقت ذاته مع معايير أكثر صرامة بشأن أمن الشبكات واختيار الموردين.
كما يعكس هذا المسار احتدام المنافسة الدولية على سوق البنية التحتية الرقمية، في وقت تتنافس فيه الشركات الصينية والأوروبية والأمريكية على تنفيذ مشاريع الاتصالات والتكنولوجيا في الأسواق الصاعدة.
وبذلك، لا يبدو برنامج «PAP-NUM» مجرد آلية أوروبية لتمويل التحول الرقمي بالمغرب، بل يتحول تدريجياً إلى إطار أوسع لتقريب المعايير بين الجانبين في مجالات الأمن السيبراني وحماية البيانات وتأمين شبكات الاتصالات.




