واشنطن تضع الطاقة والمعادن في صدارة أولويات الاستثمار بالمغرب

في وقت تتسابق فيه القوى الاقتصادية الكبرى لتأمين مصادر الطاقة والمواد الأولية الاستراتيجية وتوسيع حضورها في الأسواق الصاعدة، يبرز المغرب كوجهة متقدمة ضمن حسابات الاستثمار والتعاون الأميركي، مع توجه نحو دعم مشاريع كبرى تجمع بين الطاقة والمعادن والبنية التحتية والتكنولوجيا.
وتضع الوكالة الأميركية للتجارة والتنمية (USTDA) المغرب ضمن الأسواق التي تتوفر فيها فرص واعدة لتطوير مشاريع ذات طابع استراتيجي، حيث حددت أربعة مجالات رئيسية للتعاون المستقبلي، تشمل الطاقة، والمعادن الحرجة، والبنية التحتية الرقمية، والنقل.
وقالت غريتشن كرانتز-إيفانز، المديرة القُطرية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالوكالة، إن الأولويات تشمل تعزيز تنويع سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحيوية، وتطوير منشآت الطاقة، فضلاً عن توظيف التقنيات الموثوقة والذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الرقمية، وتحسين شبكات النقل.
ولا تقدم الوكالة التمويل للمشاريع في شكل استثمارات مباشرة فقط، بل تركز بشكل أساسي على تمويل الدراسات الفنية ودراسات الجدوى والمراحل التحضيرية، بهدف تقليل المخاطر وتهيئة المشاريع للحصول على تمويلات أكبر من المؤسسات المالية والمستثمرين.
ومنذ بدء تدخلها في المغرب، بلغت قيمة المنح التي قدمتها الوكالة لمشاريع وشركاء بالمملكة نحو 25 مليون دولار، ما يعكس مساراً متراكماً من التعاون في مجال تطوير البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية.
ويأتي قطاع الغاز الطبيعي المسال في مقدمة المجالات التي تستقطب اهتمام الجانب الأميركي، خصوصاً مع تطور البنية التحتية الطاقية المغربية وتنامي الحاجة إلى تنويع مصادر الإمدادات.
ومن المنتظر أن تستقبل الولايات المتحدة خلال شهر شتنبر المقبل وفداً مغربياً للاطلاع على عدد من المشاريع والتجارب المرتبطة بمنشآت الغاز الطبيعي المسال، ولا سيما تلك المتعلقة بالإنتاج والنقل.
وتتزامن هذه الخطوة مع دخول مشاريع مغربية جديدة مرحلة متقدمة، من بينها مشروع للغاز المسال تابع لمجموعة «مناجم»، إلى جانب استمرار الدراسات المرتبطة بمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي يربط نيجيريا بالمغرب.
كما يندرج ميناء الناظور غرب المتوسط ضمن المشاريع التي يمكن أن تستفيد من هذا التوجه، خاصة في ظل موقعه ودوره المرتقب في تعزيز البنية التحتية اللوجستية والطاقة بالمملكة.
وكانت الوكالة الأميركية قد مولت في السابق دراسات مرتبطة بميناء الناظور خلال عامي 2015 و2018، شملت منشآت مرتبطة بمزج المحروقات وإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال إلى حالته الغازية.
وتتجه الأنظار الأميركية أيضاً إلى الإمكانات التي يوفرها المغرب في مجال المعادن الحرجة، في وقت أصبحت فيه هذه الموارد عنصراً أساسياً في المنافسة الصناعية العالمية، خصوصاً بالنسبة إلى قطاعات البطاريات والطاقة المتجددة والتكنولوجيات المتقدمة.
ويتوفر المغرب على منظومة معدنية وصناعية قوية، يتصدرها قطاع الفوسفات، فيما تعمل شركات مغربية على توسيع عمليات البحث والاستكشاف عن موارد معدنية أخرى يمكن أن تدخل في سلاسل القيمة المرتبطة بالصناعات المستقبلية.
وفي هذا الإطار، أجرى مسؤولون في الوكالة الأميركية مباحثات مع المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن، إلى جانب مجموعة «مناجم»، بهدف بحث الإمكانات المتاحة وفرص التعاون في قطاع التعدين.
وتكتسب هذه الاتصالات أهمية في ظل رغبة الولايات المتحدة في بناء سلاسل إمداد أكثر تنوعاً، وتقليص المخاطر الناجمة عن التركيز الجغرافي لمصادر المعادن الأساسية.
وفي قطاع الطاقة النظيفة، خطت الوكالة الأميركية خطوة إضافية عبر دعم مشروع لإنتاج الأمونيا الخضراء جنوب المغرب.
فقد أعلنت في يوليوز الماضي عن منحة تبلغ 5.7 ملايين دولار لتمويل الدراسات الأولية للمشروع، الذي يستهدف في مرحلته الأولى إنتاج حوالي 560 ألف طن من الأمونيا الخضراء سنوياً.
ويقدر حجم الاستثمارات الأولية للمشروع بنحو 4.5 مليارات دولار، فيما تشرف عليه شركة «ORNX» ضمن تحالف دولي.
وتراهن الوكالة على أن تمويل الدراسات الأولية سيساعد في تقليص المخاطر التقنية والمالية، وفتح المجال أمام تعبئة تمويلات ضخمة خلال مراحل الإنجاز، سواء من خلال القروض أو الاستثمارات المباشرة أو مساهمات رأس المال.
ولا تتوقف الأولويات الأميركية عند الطاقة والتعدين، إذ تشمل أجندة التعاون أيضاً تطوير البنية التحتية الرقمية، مع تركيز خاص على إدماج التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في المشاريع الحيوية.
كما يحظى قطاع النقل باهتمام الوكالة، في ظل الحاجة إلى تطوير شبكات أكثر كفاءة وأماناً، قادرة على مواكبة النمو الاقتصادي واللوجستي الذي يعرفه المغرب.
ويمنح هذا التوجه للمملكة فرصة للاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا والتمويلات المرتبطة بالمشاريع الكبرى، في وقت تعمل فيه على توسيع بنيتها التحتية وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار.
ويشكل الموقع الجغرافي للمغرب وشبكة علاقاته الاقتصادية أحد أبرز عناصر الجاذبية بالنسبة إلى الشركات الأميركية، خصوصاً أن المملكة توفر منفذاً إلى الأسواق الإفريقية إلى جانب قربها من أوروبا.
كما تمثل اتفاقية التجارة الحرة بين المغرب والولايات المتحدة عاملاً إضافياً يدعم جاذبية المملكة بالنسبة إلى المستثمرين والشركات الباحثة عن أسواق جديدة.
ومن ثم، يبدو أن الاهتمام الأميركي بالمغرب يتجه نحو مرحلة أكثر ارتباطاً بالمشاريع الاستراتيجية، حيث تتقاطع الطاقة والمعادن والتكنولوجيا والنقل مع أهداف أوسع تتعلق بأمن سلاسل الإمداد وتنويع مصادر الموارد وتعزيز الحضور الاقتصادي في إفريقيا.




