هل يصنع الذكاء الاصطناعي جيلاً أقل خبرة؟.. خبراء يحذرون من كلفة خفية للثورة التقنية

مع تسارع اعتماد المؤسسات على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبحت مكاسب الإنتاجية واحدة من أبرز ملامح التحول الرقمي الذي تشهده الأسواق العالمية.
غير أن هذا النجاح يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز الأرقام ومعدلات الكفاءة، إذ يحذر باحثون من أن الاعتماد المتزايد على هذه التقنيات قد يضعف عملية بناء الخبرات البشرية، ويؤثر مستقبلاً في قدرة الأجيال الجديدة على الابتكار وحل المشكلات المعقدة.
ويؤكد مختصون أن القضية لم تعد تقتصر على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل بعض الوظائف، بل أصبحت مرتبطة بقدرته على تغيير الطريقة التي يكتسب بها الإنسان المعرفة والخبرة، في وقت تتولى فيه الأنظمة الذكية تنفيذ جزء متزايد من المهام الذهنية التي كانت تمثل سابقاً أساس التعلم والتطور المهني.
يرى باحثون أن الطفرة الحالية في إنتاجية الشركات تعود، في جانب كبير منها، إلى توظيف الذكاء الاصطناعي إلى جانب خبرات بشرية تراكمت على مدار سنوات طويلة، وليس إلى قدرات التقنية وحدها.
فالخبراء الذين يحققون أفضل النتائج اليوم اكتسبوا مهاراتهم قبل ظهور هذه الأدوات، من خلال التجربة العملية، والتعامل مع التحديات، وتطوير التفكير النقدي والقدرة على تقييم المعلومات واتخاذ القرارات.
ويشير المختصون إلى أن الذكاء الاصطناعي يستفيد من هذه الخبرات ولا يصنعها، وهو ما يثير تساؤلات حول كيفية إعداد خبراء المستقبل إذا أصبحت التكنولوجيا تختصر مراحل التعلم الأساسية.
ويؤكد الباحثون أن بناء الخبرة المهنية لا يعتمد على جمع المعلومات فحسب، بل يرتبط بخوض تجارب عملية متكررة، والتعلم من الأخطاء، ومواجهة مواقف غير متوقعة، وهي عناصر يصعب تعويضها عبر الاعتماد الكامل على الأدوات الذكية.
ومع انتقال جزء كبير من العمل الذهني إلى الذكاء الاصطناعي، يخشى المختصون من أن تتراجع فرص اكتساب هذه المهارات العميقة، ما قد ينعكس مستقبلاً على جودة الكفاءات البشرية في مختلف القطاعات.
وتشير دراسات حديثة إلى أن الفئات الأقل خبرة تحقق أكبر مكاسب عند استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ ترتفع إنتاجيتها بصورة لافتة مقارنة بالمحترفين الذين يكون تأثير التقنية على أدائهم أقل.
كما أظهرت أبحاث أن هذه الأدوات تساهم في تحسين سرعة الإنجاز وجودة المخرجات، خاصة في المهام الروتينية التي تعتمد على جمع المعلومات وتحليلها، ما يجعلها وسيلة فعالة لتقليص الفجوة بين الموظفين الجدد وذوي الخبرة في الأعمال اليومية.
لكن الباحثين يؤكدون أن هذا لا يعني انتقال الخبرة الحقيقية، لأن الذكاء الاصطناعي يوفر الإجابة، ولا ينقل القدرة على إصدار الأحكام أو التعامل مع المشكلات الجديدة التي لا تمتلك حلولاً جاهزة.
ويفرق الخبراء بين المهام التي تعتمد على تطبيق المعرفة المتوافرة، وهي المجالات التي يحقق فيها الذكاء الاصطناعي أداءً قوياً، وبين الأعمال التي تتطلب الابتكار والحدس والخبرة المتراكمة، مثل تطوير النظريات العلمية أو تشخيص الحالات النادرة أو ابتكار حلول غير مسبوقة.
فهذه المجالات تعتمد على ما يعرف بـ”المعرفة الضمنية”، وهي الخبرة التي يكتسبها الإنسان بالممارسة الطويلة، ولا يمكن تحويلها بالكامل إلى تعليمات أو بيانات رقمية.
كما أظهرت تجارب علمية أن الذكاء الاصطناعي قد يقدم إجابات تبدو منطقية في قضايا تتجاوز نطاق معرفته، بينما يعجز المستخدم قليل الخبرة عن اكتشاف الأخطاء، وهو ما يبرز أهمية الدور البشري في مراجعة المخرجات.
يطلق الباحثون على هذه الظاهرة اسم “الحدود التكنولوجية المتعرجة”، حيث يصبح من الصعب معرفة اللحظة التي يتجاوز فيها الذكاء الاصطناعي نطاق كفاءته.
ولا يستطيع تمييز هذه الحدود عادة إلا أصحاب الخبرات المتخصصة، الأمر الذي يجعل وجودهم ضرورياً لضمان الاستخدام الآمن والفعال لهذه التقنيات، حتى مع استمرار تطورها بوتيرة متسارعة.
ويحذر مختصون من أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى اختفاء المراحل المهنية التي كانت تصنع الخبراء.
فالموظف المبتدئ الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لإنجاز التقارير أو التحليلات قد يبدو أكثر كفاءة اليوم، لكنه قد لا يمر بالتجارب التي تؤهله بعد سنوات لاتخاذ قرارات استراتيجية أو معالجة ملفات معقدة دون مساعدة.
ويرى الباحثون أن هذا الواقع قد يحقق وفورات للشركات على المدى القصير، لكنه يحمل مخاطر تتعلق بتراجع عدد الخبراء المؤهلين في المستقبل.
وتزداد هذه المخاوف مع طبيعة النماذج الحالية للذكاء الاصطناعي، التي صُممت لتقديم الإجابات بسرعة، وليس لتدريب المستخدم على التفكير أو دفعه إلى اكتشاف الحلول بنفسه.
ورغم الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها هذه التقنيات لتطوير أساليب التعليم الفردي، فإن الاستخدام الأكثر شيوعاً يتمثل في الحصول على حلول جاهزة، سواء لإنجاز الواجبات الدراسية أو إعداد التقارير المهنية، وهو ما قد يحد من فرص التعلم العميق.
وامتدت آثار هذه التحولات إلى سياسات التوظيف، إذ بدأت بعض المؤسسات تقليص الاعتماد على الموظفين المبتدئين في الوظائف الأكثر عرضة للأتمتة، مع الإبقاء على أصحاب الخبرة للإشراف على العمليات واتخاذ القرارات.
كما تشير بيانات من سوق العمل الأمريكي إلى تراجع نسبي في توظيف الخريجين الجدد داخل المهن التي تأثرت بالذكاء الاصطناعي، وهو ما وصفه باحثون بأنه “تحول تكنولوجي منحاز إلى أصحاب الخبرة”.
ويحذر المختصون من أن استمرار هذا الاتجاه قد يؤدي إلى ضعف تدفق الكفاءات الجديدة، ما يخلق فجوة في القيادات والخبرات المتخصصة خلال السنوات المقبلة.
ويستشهد الباحثون بتاريخ صناعة البرمجيات، حيث أسهمت القيود التقنية في الماضي في دفع المبرمجين إلى تطوير حلول مبتكرة، بينما قد يؤدي توافر أدوات قادرة على كتابة الأكواد تلقائياً إلى تقليل الحاجة إلى البحث عن أفكار جديدة في المهام المتكررة.
كما تشير بعض الدراسات إلى أن الأعمال الإبداعية التي تُنتج بمساعدة الذكاء الاصطناعي تميل إلى التشابه أكثر من الأعمال البشرية، وهو ما يعكس قدرة التقنية على رفع المستوى المتوسط للأداء، مقابل تقليص مساحة التنوع التي تُعد أحد أهم مصادر الابتكار.
ويخلص الباحثون إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة لتعزيز الإنتاجية وتسريع الإنجاز، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الخبرة البشرية المتراكمة.
ولذلك، فإن الحفاظ على المكاسب التي تحققها هذه التقنيات يتطلب إعادة تطوير منظومات التعليم والتدريب وسوق العمل، بما يضمن استمرار بناء الكفاءات القادرة على التفكير النقدي والابتكار، حتى تبقى التكنولوجيا أداة لتعزيز القدرات البشرية، لا سبباً في تراجعها على المدى البعيد.




