نيوتن.. الجهاز الذي حاول أن يقفز إلى المستقبل قبل أن يكتمل الحاضر

قبل أن تتحول “آبل” إلى واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا في العالم، كانت تعيش مرحلة ارتباك واضحة في التسعينيات، خصوصًا بعد خروج مؤسسها “ستيف جوبز” من دائرة الإدارة. وفي خضم هذا الفراغ القيادي، حاولت الشركة استعادة روح الابتكار عبر مشروع جريء أراد تغيير مفهوم الحوسبة المحمولة بالكامل: جهاز لوحي يحمل اسم “نيوتن”.
هذا المشروع طُرح بوصفه بوابة لعصر جديد يدمج الاتصالات والحوسبة والترفيه في جهاز واحد، لكنه رغم طموحه الكبير، انتهى إلى تجربة كشفت أن السبق التكنولوجي لا يكفي إذا لم تواكبه جاهزية السوق والتقنيات.
بدأت قصة “نيوتن” في أواخر الثمانينيات، عندما شرع فريق من مهندسي “آبل” في تطوير فكرة جهاز حوسبة لوحي بحجم ورقة “A4” تقريبًا، قادر على تحويل الكتابة اليدوية إلى نصوص رقمية. وجاء اسم المشروع مستلهمًا من صورة “إسحاق نيوتن” التي كانت جزءًا من الهوية الأولى للشركة.
كان الهدف واضحًا: ابتكار جهاز شخصي محمول يمكنه أن يحل محل الدفاتر الورقية ويجعل التفاعل مع الحاسوب أكثر طبيعية وسلاسة.
في عام 1992، وتحت قيادة المدير التنفيذي آنذاك “جون سكولي”، ظهر “نيوتن” رسميًا خلال معرض إلكترونيات استهلاكية في شيكاغو. جاء الجهاز بشاشة تعتمد على القلم الإلكتروني بدل لوحة المفاتيح، ونظام تشغيل خاص حمل اسم “Newton OS”، مع طرح لاحق لطراز “MessagePad” بسعر يقارب 700 دولار.

وعلى الورق، بدا الجهاز وكأنه خطوة نحو مستقبل جديد بالكامل في عالم الحوسبة الشخصية.
حمل التسويق للجهاز وعودًا مبالغًا فيها، إذ رُوّج له باعتباره قادرًا على فهم الكتابة اليدوية بدقة وتحويلها إلى نصوص رقمية بسهولة تضاهي الورق الحقيقي، مع قدرة على التعلم الذاتي وتحسين الأداء مع الاستخدام.
لكن الواقع كان مختلفًا تمامًا، إذ سرعان ما ظهرت مشكلات جوهرية، أبرزها ضعف نظام التعرف على الكتابة الذي كان يخطئ بشكل متكرر، ما أدى إلى إنتاج كلمات غير دقيقة أو غير مفهومة. كما عانى المستخدمون من بطء في نقل البيانات، واستجابة محدودة للشاشة التي تعمل بالقلم، ما جعل تجربة الاستخدام مرهقة بدل أن تكون سهلة.
على مدى ست سنوات تقريبًا، طرحت “آبل” عدة إصدارات من “نيوتن”، لكن التحسينات لم تكن كافية لتغيير الصورة العامة للجهاز. ورغم بعض التطويرات، ظل يعاني من مشكلات الأداء الأساسية، ما انعكس على مبيعاته المحدودة، حيث لم يتجاوز عدد الوحدات المباعة عشرات الآلاف في بداياته، قبل أن تتوقف الشركة لاحقًا عن الإعلان عن الأرقام الرسمية.
ومع الوقت، أصبح “نيوتن” موضوعًا للسخرية في أوساط التقنية، خاصة بسبب ضعف البطارية وعدم دقة التعرف على الخط.
مع التقييم اللاحق للتجربة، اتضح أن إخفاق “نيوتن” لم يكن نتيجة تصميمه فقط، بل أيضًا بسبب البيئة التقنية في تلك المرحلة. فالبنية التحتية للاتصالات اللاسلكية كانت محدودة، وتقنيات الشاشات والبطاريات لم تكن متطورة بما يكفي، كما أن كثيرًا من المهام التي وُعد بها الجهاز كان يمكن إنجازها بسهولة أكبر على أجهزة مكتبية تقليدية.
بمعنى آخر، كان “نيوتن” فكرة متقدمة على عصرها، لكنه اصطدم بواقع لم ينضج بعد.
عندما عاد “ستيف جوبز” إلى “آبل” في عام 1997، اتخذ قرارًا بإيقاف مشروع “نيوتن” ضمن خطة لإعادة هيكلة الشركة وتركيزها على الحواسيب الأساسية. وتم دمج القسم المسؤول عنه مجددًا داخل الشركة الأم، مع إنهاء المشروع بشكل نهائي.
وبينما اعتبره البعض قرارًا استراتيجيًا ضروريًا، رأى آخرون فيه نهاية متأخرة لمشروع كان يحمل بذور أفكار مستقبلية لم تُفهم في وقتها.




