الاقتصاديةالتكنولوجيا

معركة الروبوتات تبدأ.. واشنطن تحاول كبح الهيمنة الصينية على تكنولوجيا المستقبل

في الوقت الذي تتجه فيه الاقتصادات الكبرى إلى جعل الذكاء الاصطناعي محورًا للصراع الصناعي المقبل، برزت الروبوتات الذكية كأحد أهم ساحات المواجهة بين الولايات المتحدة والصين، بعدما تجاوزت دورها التقليدي كآلات مخصصة للأعمال الصناعية، لتتحول إلى أنظمة متقدمة قادرة على التحرك بشكل مستقل، وتحليل البيانات، والتفاعل مع البيئة المحيطة، واتخاذ قرارات مدعومة بخوارزميات الذكاء الاصطناعي.

هذا التطور المتسارع دفع واشنطن إلى اتخاذ خطوات جديدة لحماية ما تعتبره قطاعات استراتيجية، إذ أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرض قيود على استيراد الروبوتات الشبيهة بالبشر والروبوتات رباعية الأرجل المصنعة خارج الولايات المتحدة، إلى جانب محولات الطاقة المستخدمة في ربط مصادر الطاقة المتجددة بشبكات الكهرباء، بدعوى أنها قد تمثل “مخاطر غير مقبولة” على الأمن القومي.

ورغم أن القرار الأمريكي لم يذكر الصين بشكل مباشر، فإن تفاصيله تشير إلى استهداف واضح للشركات الصينية التي أصبحت لاعبًا رئيسيًا في سوق الروبوتات العالمي، ضمن سياسة أوسع تتبعها واشنطن منذ سنوات لتقييد وصول بكين إلى تقنيات حساسة، شملت قطاعات مثل أشباه الموصلات، ومعدات الاتصالات، والطائرات المسيّرة.

وتبرر الجهات الأمريكية هذه الإجراءات بالمخاوف المتعلقة بالأمن السيبراني، مشيرة إلى أن الروبوتات المتصلة بالإنترنت قد تُستخدم في جمع معلومات حساسة، أو تنفيذ عمليات مراقبة، أو شن هجمات إلكترونية، أو حتى التأثير على منشآت حيوية من خلال التحكم عن بعد.

US eyes ban on Chinese humanoid robots as US-China tech rivalry intensifies  | South China Morning Post

في المقابل، ترى بكين أن هذه المبررات ليست سوى غطاء لمحاولة احتواء تقدمها التكنولوجي المتسارع، والحفاظ على التفوق الأمريكي في الصناعات المستقبلية.

بعيدًا عن الجدل السياسي، تكشف بيانات السوق عن تحول كبير خلال السنوات الأخيرة، حيث تمكنت الصين من بناء موقع مهيمن في صناعة الروبوتات الذكية بفضل قدرتها التصنيعية الهائلة، وامتلاكها شبكة واسعة من الموردين، إلى جانب انخفاض تكاليف الإنتاج مقارنة بالمنافسين الغربيين.

وتضم الصين أكثر من 140 شركة تعمل في مجال تطوير الروبوتات الشبيهة بالبشر، كما تستحوذ روبوتاتها رباعية الأرجل على نحو 70% من المبيعات العالمية، في حين توجد ست شركات صينية ضمن قائمة أفضل عشر شركات ناشئة عالميًا من حيث قوة براءات الاختراع في هذا القطاع.

وخلال عام 2025، تجاوزت الشحنات العالمية من الروبوتات الشبيهة بالبشر 14.5 ألف وحدة، حيث استحوذت الشركات الصينية على قرابة 90% من إجمالي المبيعات، مقابل حضور محدود للشركات الأمريكية التي لا تزال في مراحل مبكرة من الإنتاج التجاري.

ويبرز الفارق بين الطرفين أيضًا في الأسعار، إذ تقدم شركة “يونيتري” الصينية، صاحبة الصدارة من حيث حجم المبيعات، نماذج روبوتية بأسعار تقل عن 5900 دولار، بينما ما تزال شركات أمريكية عملاقة مثل “تسلا” تعمل على تطوير إنتاج واسع النطاق لروبوتها “أوبتيموس”، بعدما لم تتجاوز شحناتها خلال عام 2025 نحو 150 وحدة.

أكبر الشركات مبيعًا للروبوتات الشبيهة بالبشر عالميًا في 2025

الترتيبالشركةالدولةالمبيعات (وحدة)
1يونيتريالصين5500
2أجيبوتالصين5168
3يو بي تكالصين1000
4ليجو روبوتيكسالصين500
5إينجين إيه آيالصين400
6فورييه إنتليجنسالصين300
7فيجر إيه آيالولايات المتحدة150
8أجيليتي روبوتيكسالولايات المتحدة150
9تسلاالولايات المتحدة150

لا يرتبط تقدم الصين في مجال الروبوتات بالشركات المصنعة فقط، بل يستند إلى منظومة صناعية متكاملة تمنحها أفضلية يصعب على المنافسين تجاوزها.

فالصين تسيطر على جزء كبير من إنتاج العناصر الأرضية النادرة عالميًا، وهي مواد أساسية تدخل في تصنيع المحركات والمكونات الإلكترونية المتقدمة، كما تمتلك نفوذًا قويًا في قطاع محولات الطاقة من خلال شركات كبرى مثل “سونغرو” و”هواوي”، رغم خضوع الأخيرة لعقوبات أمريكية.

ويرى “مينغ هسون لي” من مؤسسة “بي أو إف إيه غلوبال ريسيرش” أن بناء روبوتات شبيهة بالبشر دون الاعتماد على مكونات صينية أصبح أمرًا بالغ التعقيد، خصوصًا مع انخفاض تكلفة التصنيع في الصين إلى مستويات يصعب منافستها عالميًا.

ويرى محللون أن توقيت القيود الأمريكية لم يكن عشوائيًا، إذ يأتي بالتزامن مع استعداد شركة “يونيتري” الصينية لاتخاذ خطوات نحو الإدراج في سوق الأسهم بمدينة شنغهاي، وهو ما قد يوفر لها تمويلًا إضافيًا لتعزيز توسعها العالمي.

China's Robots Are No Longer Performing Tricks — They're Becoming  Intelligent Agents - Pandaily

ويعتقد بعض الخبراء أن هذه الإجراءات قد تمنح الشركات الأمريكية، وعلى رأسها “تسلا” و”بوسطن دايناميكس”، فرصة لتقليص الفجوة مع المنافسين الصينيين، بينما يرى آخرون أن تأثير الحظر سيكون محدودًا بسبب اعتماد الصناعة العالمية على مكونات صينية يصعب استبدالها بسرعة.

من جانبها، انتقدت الصين الخطوة الأمريكية، معتبرة أنها تعكس توجهًا نحو تقييد المنافسة بدلًا من تطوير القدرات المحلية، محذرة من أن استبعاد المنتجات الصينية منخفضة التكلفة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإبطاء نمو قطاعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والطاقة.

وتأتي هذه المواجهة في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات متزايدة لتحديث بنيتها التحتية للطاقة، خصوصًا مع الارتفاع الكبير في الطلب على الكهرباء نتيجة توسع مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وفي النهاية، لم تعد حرب الروبوتات مجرد منافسة حول تطوير آلة أكثر ذكاءً أو قدرة على الحركة، بل أصبحت صراعًا أوسع على التحكم في التكنولوجيا، والمواد الخام، وسلاسل التوريد، والبيانات التي ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.

وبينما تراهن واشنطن على القيود التجارية والتكنولوجية لإبطاء تقدم منافستها، تواصل الصين تعزيز قدراتها الصناعية، ما يطرح تساؤلًا حاسمًا: هل ستنجح سياسة الحظر في وقف صعود الصين في مجال الروبوتات، أم أنها ستدفع بكين إلى تسريع بناء منظومة تكنولوجية أكثر استقلالية؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى