الاقتصادية

عندما تتحول الشهرة إلى فخ.. كيف تمحو الأصول غير الملموسة ثروات المستثمرين؟

قد تبدو الشركة أكثر قيمة على الورق بفضل علامتها التجارية وشهرتها وبراءات اختراعها وشبكات توزيعها، لكن هذه العناصر التي تمنحها ميزة تنافسية في أوقات الرواج قد تتحول إلى عبء ثقيل عندما تتغير الظروف. فالقيمة التي يصنعها التفاؤل في الأسواق لا تصمد دائماً أمام اختبار الأرباح والتدفقات النقدية.

وتكمن المشكلة في أن الأصول غير الملموسة، وعلى رأسها الشهرة التجارية والعلامات التجارية وبراءات الاختراع، أصبحت تمثل جزءاً ضخماً من ميزانيات العديد من الشركات الكبرى، خصوصاً تلك التي توسعت عبر عمليات الاستحواذ والاندماج.

لكن ارتفاع هذه الأصول لا يعني بالضرورة أن الشركة أصبحت أكثر قوة من الناحية المالية. فعندما تتراجع الأرباح أو تتغير تفضيلات المستهلكين أو تفشل صفقة استحواذ في تحقيق أهدافها، قد تضطر الإدارة إلى إعادة تقييم تلك الأصول وشطب مليارات الدولارات من قيمتها، وهو ما يمكن أن يوجه ضربة قوية إلى الأرباح وثقة المستثمرين في آن واحد.

تقدم تجربة «كرافت هاينز» أحد أبرز الأمثلة على المخاطر التي يمكن أن تنشأ من تضخم الشهرة والأصول غير الملموسة.

ففي عام 2015، اندمجت شركتا «كرافت» و«هاينز» في واحدة من أكبر صفقات قطاع الأغذية، بدعم من مستثمرين بارزين، من بينهم وارن بافيت عبر شركة «بركشاير هاثاواي».

وبعد إتمام الصفقة، حملت الشركة ميزانيتها قيمة ضخمة من الشهرة والعلامات التجارية، استناداً إلى توقعات بأن قوة الأسماء التجارية ستواصل دعم المبيعات والأرباح لسنوات طويلة.

لكن السوق لم يسر وفق تلك الفرضيات. فقد تغيرت أنماط الاستهلاك، وازداد الإقبال على المنتجات الطازجة، بينما اشتدت المنافسة من العلامات التجارية الخاصة بسلاسل المتاجر، ما قلص قدرة منتجات الشركة على رفع الأسعار والحفاظ على هوامشها.

وفي فبراير 2019، أعلنت «كرافت هاينز» شطباً غير نقدي بلغ 15.4 مليار دولار من قيمة بعض علاماتها التجارية والشهرة، ما أدى إلى تسجيل خسارة صافية ضخمة بلغت نحو 12.61 مليار دولار خلال الربع الرابع.

ولم يكتفِ التأثير بالدفاتر المحاسبية، إذ هبط سهم الشركة بأكثر من 27% في جلسة واحدة يوم 22 فبراير 2019، بعدما أدرك المستثمرون أن القيمة المسجلة للأصول لم تكن تعكس بالضرورة قدرتها الفعلية على توليد الأرباح.

وكان بافيت نفسه قد أقر لاحقاً بأن السعر المدفوع في الصفقة كان مرتفعاً للغاية، في اعتراف يعكس حجم الفجوة التي يمكن أن تنشأ بين القيمة التي يتخيلها المستثمر والقيمة التي يستطيع النشاط التجاري إنتاجها فعلياً.

لم يكن قطاع الأغذية وحده شاهداً على هذه الظاهرة. ففي قطاع الرعاية الصحية الرقمية، قدمت «تيلادوك» مثالاً أكثر حدة على مخاطر الاستحواذات التي تتم في ذروة التفاؤل.

وخلال طفرة خدمات الرعاية الصحية عن بُعد في عام 2020، استحوذت «تيلادوك» على شركة «ليفونغو» المتخصصة في إدارة الأمراض المزمنة، في صفقة بلغت قيمتها نحو 18.5 مليار دولار.

ولأن قيمة الأصول المادية لشركة «ليفونغو» كانت محدودة مقارنة بقيمة الصفقة، جرى تسجيل جزء كبير من القيمة المدفوعة ضمن الشهرة والأصول غير الملموسة.

لكن انتهاء موجة الازدهار التي صاحبت جائحة كورونا أدى إلى تباطؤ نمو أعمال «تيلادوك»، وأصبح من الصعب تبرير التقييمات المرتفعة التي بُنيت عليها الصفقة.

وفي الربع الأول من 2022، أعلنت الشركة شطب نحو 6.6 مليار دولار من قيمة الشهرة، وكان معظم هذا التخفيض مرتبطاً بإعادة تقييم صفقة «ليفونغو». وتبع ذلك شطب إضافي، ليتجاوز إجمالي تخفيضات الشهرة خلال العام 9.6 مليار دولار.

وأدت هذه الخسائر المحاسبية إلى تسجيل «تيلادوك» صافي خسائر سنوية تجاوز 13.6 مليار دولار في 2022.

أما في البورصة، فكانت الصدمة أكثر وضوحاً؛ إذ انهار السهم من مستويات قاربت 294 دولاراً في ذروته إلى أقل من 25 دولاراً خلال فترة قصيرة نسبياً، ليفقد المستثمرون أكثر من 90% من قيمة استثماراتهم.

وتكشف تجربة «جنرال إلكتريك» عن وجه آخر للمشكلة، عندما تكون التوقعات المستقبلية للصناعة نفسها مبالغاً فيها.

ففي 2015، استحوذت الشركة على أنشطة الطاقة والشبكات التابعة لـ«ألستوم» الفرنسية في صفقة بلغت قيمتها نحو 10.6 مليار دولار.

وكانت التوقعات آنذاك تشير إلى استمرار قوة الطلب على توربينات الغاز ومعدات الطاقة التقليدية، وهو ما انعكس في القيمة الكبيرة التي أضيفت إلى دفاتر الشركة تحت بند الشهرة.

لكن التحولات التي شهدها قطاع الطاقة جاءت عكس التوقعات. فتراجع أسعار النفط والغاز، إلى جانب تسارع خطط التحول نحو الطاقة النظيفة في عدد من الاقتصادات الكبرى، أضعف الطلب على بعض منتجات قطاع الطاقة التقليدية.

وفي أكتوبر 2018، كشفت «جنرال إلكتريك» عن شطب محاسبي ضخم بقيمة 22 مليار دولار من الشهرة المرتبطة بقطاع الطاقة، وهو ما أسهم في تسجيل خسارة فصلية قياسية بلغت نحو 22.8 مليار دولار.

كما اضطرت الشركة إلى خفض توزيعاتها النقدية الفصلية بشكل حاد، من 12 سنتاً إلى سنت واحد للسهم، في محاولة للحفاظ على السيولة.

وانعكس ذلك بقوة على السهم، الذي فقد أكثر من 75% من قيمته خلال عامي 2017 و2018، في واحدة من أكثر فترات التراجع قسوة في تاريخ الشركة.

تختلف الشهرة عن المباني والمصانع والآلات في طبيعتها المحاسبية. فالأصول المادية يمكن تقييمها ومتابعة استهلاكها بشكل أكثر وضوحاً، بينما تعتمد قيمة الشهرة بدرجة أكبر على قدرة النشاط المستحوذ عليه على تحقيق الأرباح المستقبلية.

ولهذا السبب، قد تبقى قيمة كبيرة من الشهرة مسجلة في الميزانية لسنوات، قبل أن يظهر فجأة أن الفرضيات التي قامت عليها لم تعد واقعية.

وهنا تكمن المفارقة: كلما ارتفعت الشهرة مقارنة بحجم حقوق المساهمين، أصبح المستثمر أكثر اعتماداً على استمرار الأداء التشغيلي القوي حتى تظل القيمة الدفترية مستقرة.

وعندما تتغير الظروف، يمكن أن يتحول الشطب المحاسبي من مجرد رقم في القوائم المالية إلى إشارة قوية على أن الإدارة دفعت سعراً مبالغاً فيه في السابق.

لا يكفي النظر إلى إجمالي حقوق الملكية أو القيمة الدفترية عند تقييم شركة تعتمد بشكل كبير على الاستحواذات. ومن الأفضل فصل الأصول الملموسة عن الأصول غير الملموسة للحصول على صورة أكثر واقعية.

ويعد صافي القيمة الدفترية الملموسة للسهم أحد المؤشرات المهمة، إذ يتم احتسابه بطرح الشهرة وجميع الأصول غير الملموسة من حقوق المساهمين، ثم قسمة الناتج على عدد الأسهم القائمة.

ويكشف هذا المؤشر عن مقدار القيمة التي تبقى للمساهمين إذا جرى استبعاد العناصر المحاسبية التي يصعب تحويلها إلى قيمة ملموسة مباشرة.

كذلك يمكن متابعة نسبة الشهرة إلى حقوق المساهمين. وكلما ارتفعت هذه النسبة، زادت حساسية الميزانية لأي عملية شطب مستقبلية. وتعد المستويات التي تتجاوز نحو 20% إلى 30% سبباً إضافياً للتدقيق، خصوصاً إذا كانت الشركة تعاني في الوقت نفسه من ضعف الأرباح أو التدفقات النقدية.

ومن الأدوات المهمة أيضاً قياس العائد على الأصول الملموسة، من خلال مقارنة الأرباح التشغيلية بحجم الأصول الملموسة بعد استبعاد الشهرة والأصول المعنوية.

ويتيح ذلك للمستثمر معرفة مدى قدرة النشاط الأساسي، مثل المصانع والمعدات والسيولة والأصول التشغيلية الفعلية، على إنتاج الأرباح بعيداً عن القيمة الناتجة عن عمليات الاستحواذ والتقييمات المحاسبية.

تكشف تجارب «كرافت هاينز» و«تيلادوك» و«جنرال إلكتريك» عن قاعدة مهمة في الاستثمار: ارتفاع الأصول غير الملموسة لا يعني بالضرورة ارتفاع جودة الشركة.

فالعلامة التجارية القوية قد تكون مصدراً هائلاً للقيمة عندما تحافظ على قدرتها التسعيرية، وبراءة الاختراع قد تمنح الشركة ميزة تنافسية، والشهرة قد تعكس بالفعل قيمة اقتصادية حقيقية. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه القيم أكبر بكثير من قدرة النشاط الفعلية على تحقيق الأرباح والتدفقات النقدية.

لذلك، فإن المستثمر الذي يكتفي بالنظر إلى القيمة الدفترية أو الأرباح المعلنة قد يفوّت جزءاً مهماً من الصورة. أما التحليل الأكثر عمقاً فيبدأ من سؤال مختلف: كم تبلغ قيمة الأصول التي تستطيع الشركة الاعتماد عليها فعلياً، وكم من هذه القيمة يعتمد على توقعات مستقبلية قد لا تتحقق؟

ففي أوقات الصعود، يمكن للسوق أن يمنح الشهرة والعلامات التجارية والأصول غير الملموسة قيمة هائلة، لكن الأزمات تختبر شيئاً واحداً فقط: قدرة الشركة الحقيقية على توليد النقد وتحويل الوعود إلى أرباح.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى