اقتصاد المغربالأخبار

سوق الشغل أمام مفارقة لافتة.. بطالة مرتفعة وقطاعات تعاني نقص العمال

تتزايد الضغوط التي تواجهها قطاعات اقتصادية مغربية في تأمين احتياجاتها من العمال، في وقت لا تزال فيه البطالة تسجل مستويات مرتفعة، لتبرز بذلك فجوة متنامية بين المهارات والوظائف المتاحة من جهة، ومتطلبات سوق الشغل من جهة أخرى.

وتظهر هذه المفارقة بشكل خاص في قطاعات البناء والفلاحة والصناعات التحويلية، حيث تجد مقاولات وأرباب عمل صعوبة في استقطاب العمال، ولا سيما في المهن التي تتطلب مهارات تقنية أو جهداً بدنياً، بينما يواجه آلاف الباحثين عن العمل صعوبة في الولوج إلى وظائف تتناسب مع مؤهلاتهم وتطلعاتهم.

ويأتي قطاع البناء في مقدمة المجالات التي تعاني من هذه الإشكالية، إذ يشير مهنيون إلى تراجع توفر العمال ذوي الخبرة، بالتزامن مع ارتفاع الطلب على بعض التخصصات المرتبطة بالأوراش.

وقد انعكس هذا الوضع على كلفة اليد العاملة، حيث يصل الأجر اليومي في بعض المناطق إلى نحو 220 درهماً، وفق المعطيات المتداولة لدى المهنيين.

ويفرض ارتفاع تكلفة العمالة ضغوطاً إضافية على شركات البناء، خصوصاً في المشاريع التي تمتد لفترات طويلة، كما يمكن أن ينعكس على الكلفة الإجمالية لإنجاز المشاريع وأسعار العقارات.

وتواجه الفلاحة بدورها تحديات متزايدة في تأمين اليد العاملة الموسمية، خاصة خلال الفترات التي تتقاطع فيها عمليات جني المحاصيل مع التحضير لمواسم الزراعة والحرث.

ويؤدي ارتفاع الطلب على العمال خلال هذه الفترات إلى اشتداد المنافسة بين الضيعات وارتفاع الأجور، ما يرفع بدوره كلفة الإنتاج ويضع المنتجين أمام تحدي الحفاظ على هوامش الربح.

وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة للفلاحين عندما تكون قدرتهم على تمرير ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى أسعار البيع محدودة، خصوصاً في ظل حساسية أسعار المنتجات الفلاحية وتغيرات العرض والطلب.

ولا تتوقف أزمة اليد العاملة عند القطاعات الأكثر اعتماداً على العمل اليدوي، إذ تواجه بعض الصناعات التحويلية، وعلى رأسها قطاع الكابلاج في عدد من مناطق الشمال، تحديات مرتبطة باستقرار العمال.

وتجد بعض الشركات صعوبة في تعويض العمال الذين يغادرون وظائفهم، ما قد يفرض ضغوطاً على وتيرة الإنتاج ويزيد من أعباء المقاولات التي تحتاج إلى الحفاظ على عدد كافٍ من العاملين لضمان استمرارية خطوطها الإنتاجية.

ويفسر خبراء اقتصاديون جانباً من هذه المفارقة بوجود فجوة بين طبيعة الوظائف التي يحتاجها الاقتصاد وبين خصائص فئات واسعة من الباحثين عن العمل.

ففي الوقت الذي تتركز فيه البطالة بدرجة مهمة بين الشباب وحاملي الشهادات، تحتاج قطاعات إنتاجية إلى مهارات عملية وتقنية مرتبطة بمهن يدوية أو ميدانية، بعضها يتطلب العمل في ظروف شاقة أو في مواقع بعيدة عن المراكز الحضرية.

وتزيد عوامل أخرى من تعقيد الوضع، من بينها تكاليف التنقل، وبعد أماكن العمل، وارتفاع تكاليف السكن في بعض المناطق، فضلاً عن محدودية فرص التطور والترقي المهني في عدد من الوظائف.

ويرى مهنيون أن معالجة نقص اليد العاملة تتطلب إعادة النظر في جاذبية المهن التي تعاني خصاصاً، بدل الاكتفاء بالبحث عن عمال جدد.

ويبرز في هذا السياق تحسين مستويات الأجور، وتوفير ظروف عمل أكثر استقراراً، وربط التكوين المهني بشكل أوثق بالحاجيات الفعلية للمقاولات، إلى جانب توسيع الحماية الاجتماعية للعاملين في القطاعات التي تعتمد على العمالة الموسمية أو الميدانية.

كما يمكن للنقل والسكن المرتبطين بمواقع العمل أن يلعبا دوراً مهماً في الحد من صعوبات الاستقطاب، خصوصاً في المناطق الصناعية والفلاحية ومواقع الأوراش الكبرى.

وتكشف هذه المعطيات أن إشكالية سوق الشغل المغربي لا ترتبط فقط بعدد الوظائف المتاحة، وإنما أيضاً بمدى ملاءمة الأجور والمهارات وظروف العمل ومواقع الوظائف مع انتظارات الباحثين عن الشغل.

وفي ظل استمرار التحولات التي يعرفها الاقتصاد، يبدو أن تقليص هذه الفجوة سيحتاج إلى سياسات تجمع بين تطوير مهارات الموارد البشرية، وتحسين جاذبية المهن المطلوبة، ومساعدة القطاعات الإنتاجية على توفير وظائف أكثر استقراراً وقدرة على استقطاب العمال والاحتفاظ بهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى