بريطانيا تفتح باب ترخيص شركات العملات الرقمية

تدخل سوق العملات الرقمية في المملكة المتحدة مرحلة تنظيمية جديدة مع اقتراب موعد فتح هيئة السلوك المالي البريطانية (FCA) باب استقبال طلبات الترخيص الخاصة بالشركات العاملة في هذا القطاع، في خطوة تضع شركات التداول والحفظ وإصدار بعض العملات المستقرة أمام اختبار تنظيمي أكثر شمولًا من النظام المعمول به حاليًا.
ومن المقرر أن تبدأ الهيئة استقبال الطلبات الجديدة اعتبارًا من الساعة السابعة صباحًا بتوقيت المملكة المتحدة يوم 30 سبتمبر، على أن تستمر فترة التقديم الرئيسية حتى 28 فبراير 2027، بينما يدخل الإطار التنظيمي الجديد حيز التطبيق في 25 أكتوبر 2027.
ولا يتعلق الأمر بمجرد إطلاق منصة إلكترونية لتقديم الطلبات، إذ إن المرحلة المقبلة ستحدد الوضع القانوني للشركات الراغبة في مواصلة نشاطها داخل السوق البريطانية، خصوصًا أن توقيت تقديم الطلب واكتماله قد تكون له انعكاسات مباشرة على قدرة الشركة على الاستمرار في خدمة العملاء بعد بدء النظام الجديد.
تضع هيئة السلوك المالي البريطانية فارقًا واضحًا بين تقديم طلب الترخيص وبين الحصول عليه. فبدء استقبال الطلبات في 30 سبتمبر لا يعني أن الشركات المتقدمة ستصبح مرخصة بمجرد إرسال ملفاتها.
وتتيح البوابة للشركات التقدم للحصول على تراخيص لأنشطة العملات الرقمية الجديدة، كما تسمح لبعض الشركات التي تمتلك تراخيص قائمة بموجب قانون الخدمات والأسواق المالية البريطاني (FSMA) بطلب تعديل نطاق صلاحياتها.
وبذلك، ينبغي على الشركات الفصل بين ثلاثة مواعيد ومسارات مختلفة: تاريخ تقديم الطلب، والموعد النهائي للتقديم ضمن الفترة الرئيسية، ثم تاريخ بدء تطبيق النظام التنظيمي الجديد.
وكانت الهيئة قد أصدرت بالفعل إرشادات نهائية بشأن نطاق الأنشطة التي ستخضع للرقابة، إلى جانب نموذج استرشادي لطلب الترخيص يبلغ 73 صفحة، وهو ما يعطي مؤشرًا على حجم المعلومات التي ستحتاج الشركات إلى إعدادها قبل الدخول في عملية التقديم.
ولا يقتصر الملف على البيانات الأساسية للشركة، بل يتطلب تحديد نموذج الأعمال والأنشطة التي تمارسها، والجهات والأشخاص المسيطرين عليها، وكيفية إدارة أصول العملاء والشكاوى، إضافة إلى الضوابط المالية والتشغيلية وأنظمة تكنولوجيا المعلومات.
حددت هيئة السلوك المالي تسعة أنواع من الأنشطة المرتبطة بالعملات الرقمية ستضاف إلى إطار الخدمات المالية القائم، وهو ما يجعل تحديد طبيعة النشاط خطوة أساسية قبل اختيار نوع الترخيص المطلوب.
وتشمل القائمة إصدار بعض العملات المستقرة المؤهلة في المملكة المتحدة، وحفظ الأصول الرقمية، وترتيب خدمات الحفظ لصالح طرف آخر، وتشغيل منصات التداول المؤهلة، والتعامل بالأصول بصفة أصيل أو وكيل، إلى جانب أنشطة مختلفة لترتيب الصفقات وبعض خدمات التخزين أو ما يعرف بـ”Staking”.
ويعني ذلك أن الشركات لن تتمكن من الاعتماد على ترخيص واحد يغطي تلقائيًا جميع الخدمات التي تقدمها.
فعلى سبيل المثال، إذا كانت منصة ما تدير عمليات التداول وتحتفظ في الوقت نفسه بأصول العملاء، فقد تحتاج إلى النظر في متطلبات ترخيص تشغيل منصة التداول ومتطلبات نشاط الحفظ كل على حدة.
أما الشركة التي تقتصر مهمتها على تمرير أو ترتيب الأوامر دون الاحتفاظ بأصول العملاء، فعليها تحديد التصنيف التنظيمي الذي ينطبق على نموذج أعمالها.
وينطبق الأمر نفسه على شركات إصدار العملات المستقرة، إذ إن الحصول على صلاحية مرتبطة بالإصدار لا يمنح تلقائيًا حق تشغيل منصة تداول.
من أبرز النقاط التي يتعين على الشركات القائمة الانتباه إليها أن التسجيل الحالي لدى هيئة السلوك المالي لأغراض مكافحة غسل الأموال لا يتحول تلقائيًا إلى ترخيص جديد بموجب قانون الخدمات والأسواق المالية.
فالشركات المسجلة حاليًا ضمن النظام الخاص بمكافحة غسل الأموال ستحتاج إلى تقديم طلب منفصل إذا كانت ترغب في ممارسة الأنشطة التي تدخل ضمن إطار FSMA الجديد.
ويعود ذلك إلى اختلاف نطاق التقييم. فالتسجيل القائم يركز بدرجة أساسية على متطلبات مكافحة الجرائم المالية، بينما يمتد الترخيص الجديد إلى جوانب أوسع تشمل الحوكمة وسلوك السوق ومعاملة العملاء والإدارة العليا والموارد والأنظمة والقدرة التشغيلية.
كما أن امتلاك شركة مالية أو مؤسسة مصرفية ترخيصًا قائمًا بموجب FSMA لا يعني تلقائيًا أن صلاحياتها الحالية تغطي الأنشطة الجديدة المتعلقة بالعملات الرقمية. وفي هذه الحالة، قد يكون عليها طلب تعديل نطاق الترخيص لإضافة الأنشطة المستهدفة.
رغم اتساع نطاق النظام الجديد، فإن مجرد استخدام تقنية البلوك تشين لا يعني أن النشاط أصبح تلقائيًا خاضعًا للرقابة.
وتشير المعايير إلى أهمية مجموعة من العوامل، من بينها طبيعة الخدمة المقدمة، ونوع الأصل الرقمي، ومدى ارتباط النشاط بالمملكة المتحدة، إضافة إلى الدور الذي يؤديه كل كيان داخل نموذج الأعمال.
وقد توجد، داخل منظومة رقمية واحدة، شركة تطور البرمجيات، وأخرى تحتفظ بالمفاتيح الخاصة، وجهة تدير منصة التداول. ورغم ارتباط هذه الأطراف بالخدمة نفسها، فإن الوضع التنظيمي لكل منها قد يكون مختلفًا.
ولهذا تحتاج الشركات إلى تحليل عقودها وعملياتها وهيكلها القانوني بصورة منفصلة بدل افتراض أن جميع مكونات النشاط ستخضع للترخيص ذاته.
أصدرت الهيئة في 17 سبتمبر نسخة استرشادية من نموذج طلب الترخيص، موضحة أن النسخة مخصصة للاطلاع وليست النموذج الإلكتروني النهائي.
ويبلغ حجم النموذج 73 صفحة، ويتضمن أسئلة عامة مرتبطة بالخدمات المالية، إضافة إلى أسئلة أخرى تختلف بحسب طبيعة النشاط والتراخيص التي تطلبها الشركة.
وتتطرق الأسئلة إلى عدد كبير من المجالات، بينها هيكل الملكية والسيطرة، والروابط الوثيقة، والهيكل التنظيمي، وخطة الأعمال، والتوقعات المالية، والإيرادات المستخدمة في احتساب الرسوم، وأنظمة تكنولوجيا المعلومات، فضلًا عن آليات منع الجرائم المالية ومراقبة الالتزام والتعامل مع الشكاوى.
كما يمكن أن تشمل المتطلبات معلومات تتعلق بالتقاضي والإفلاس، وإدارة السجلات، والتعاملات الشخصية للموظفين، ومدى ملاءمة المنتجات للعملاء الأفراد.
ولا يمكن التعامل مع هذه العناصر باعتبارها ملفات منفصلة تمامًا، لأن كل جزء من الطلب يجب أن ينسجم مع نموذج أعمال الشركة.
فخطة الأعمال، مثلًا، ينبغي أن توضح الخدمات التي تقدمها الشركة وكيف تحقق إيراداتها، في حين يجب أن تعكس التوقعات المالية قدرتها على تمويل العمليات التي تعتزم القيام بها.
كما ينبغي أن يوضح الهيكل التنظيمي المسؤوليات الفعلية، بينما يتعين أن تشرح آليات الشكاوى كيفية التعامل مع النزاعات والمشكلات التي قد تواجه العملاء.
وتكتسب أنظمة التكنولوجيا أهمية خاصة في أنشطة الحفظ، لأن الخلل التقني في هذا المجال قد يرتبط مباشرة بقدرة العميل على الوصول إلى أصوله.
لا تنطبق جميع الأسئلة على جميع الشركات بالطريقة نفسها.
فبعض المتطلبات قد لا تكون ذات صلة بشركة تتقدم فقط للحصول على صلاحية إصدار العملات المستقرة، بينما تصبح مسائل أخرى أكثر أهمية بالنسبة إلى منصة تستهدف المستثمرين الأفراد أو تحتفظ بأصول العملاء.
كما تواجه الشركات الأجنبية التي تعتزم العمل عبر فرع في المملكة المتحدة متطلبات تتعلق بكيفية استيفائها للمعايير التنظيمية والمحافظة عليها، رغم وجود أجزاء من عملياتها خارج البلاد.
ومن هنا، يصبح تحديد نطاق الترخيص المطلوب خطوة سابقة على إعداد ملف الامتثال. فمجموعة عامة من السياسات قد لا تكون كافية للإجابة عن متطلبات منصة تداول أو جهة حفظ أو جهة إصدار عملة مستقرة.
وتنبه الهيئة إلى أن النسخة الاسترشادية من الطلب قد تشهد بعض التعديلات عند إطلاق النموذج الإلكتروني النهائي، كما تنصح الشركات بعدم التعامل مع النسخة الحالية باعتبارها النموذج الذي يجب تقديمه فعليًا.
ومع ذلك، يمكن للشركات استخدامها للتحضير ورصد نقاط الضعف في هياكل الحوكمة والامتثال والموارد المالية قبل بدء التقديم.
يكتسب تاريخ 28 فبراير 2027 أهمية خاصة في الجدول الزمني للنظام الجديد، إذ تميز الهيئة بين الشركات التي تقدم طلباتها خلال الفترة الرئيسية وتلك التي تتقدم بعد انتهائها.
فالشركة التي تقدم طلبًا صالحًا خلال الفترة الممتدة من 30 سبتمبر 2026 إلى 28 فبراير 2027، وكان طلبها لا يزال قيد المراجعة عند دخول النظام الجديد حيز التنفيذ في أكتوبر 2027، قد تتمكن، إذا استوفت شروط الأهلية الأخرى، من مواصلة بعض خدماتها بموجب أحكام الحماية الانتقالية إلى حين اتخاذ قرار بشأن طلبها.
وقد تمتد هذه الحماية أيضًا خلال مسار الطعن في بعض الحالات التي يكون فيها رفض الطلب محل استئناف أمام المحكمة المختصة ولم يصدر قرار نهائي بشأنه.
لكن هذه الوضعية لا تعني أن الشركة حصلت على ترخيص كامل؛ فهي تظل ضمن مسار قانوني مؤقت إلى أن يصدر القرار التنظيمي النهائي.
أما الشركات التي تقدم طلباتها بعد 28 فبراير، فيمكنها من حيث المبدأ تقديم طلب، لكن الهيئة لا تتعهد بتسريع دراسة هذه الملفات بسبب التأخر في التقديم.
وفي حال حلول موعد بدء النظام الجديد قبل صدور القرار، فقد تدخل الشركة في ترتيبات انتقالية أكثر تقييدًا.
يمكن توضيح أهمية الموعد النهائي من خلال مثال افتراضي.
لنفترض وجود منصتين تعملان بصورة قانونية في السوق البريطانية خلال سبتمبر 2026، وكان طلب الترخيص الخاص بكل منهما لا يزال قيد الدراسة في 25 أكتوبر 2027.
إذا قدمت المنصة الأولى طلبًا صالحًا في فبراير 2027، بينما انتظرت الثانية حتى مارس من العام نفسه، فقد تتمكن الأولى، في حال استيفائها بقية شروط الأهلية، من الاستفادة من مسار الحماية أثناء انتظار القرار.
في المقابل، قد تدخل الثانية في ترتيبات أكثر تقييدًا تتيح لها فقط التعامل مع العقود القائمة وإنهاء أعمالها بصورة منظمة.
وبالتالي، يمكن لفارق زمني لا يتجاوز شهرًا أن يؤدي إلى اختلاف في الوضع القانوني للشركتين، رغم أن كلتيهما تقدمتا بطلب للحصول على الترخيص نفسه.
وهذا المثال لا يمثل حكمًا على شركة أو منصة بعينها، وإنما يوضح أثر الجدول الزمني الذي حددته الهيئة.
تختلف الحماية الانتقالية عن الترخيص الجديد من حيث طبيعتها ونطاقها.
وتوضح إرشادات الهيئة أن بعض هذه الترتيبات صممت لمساعدة الشركات غير المرخصة على الخروج من السوق البريطانية بصورة منظمة، ويمكن أن تمتد لفترة تصل إلى عامين بعد بدء النظام الجديد.
لكن الاستفادة من هذه المرحلة لا تمنح الشركة حرية مواصلة النمو بالطريقة نفسها التي تتمتع بها شركة حاصلة على الترخيص.
وقد يتعين على الشركات التي تدخل هذا المسار إخطار الأطراف المتعاقدة معها بأنها غير مرخصة، وإبلاغها بأي تغييرات جوهرية مرتبطة بحماية الأصول وتسوية النزاعات وترتيبات التعويض.
كما تكون الأنشطة الترويجية مقيدة بما هو ضروري لتنفيذ العقود التي كانت قائمة قبل بدء المرحلة الانتقالية.
ويزداد الأمر أهمية عندما يكون الطلب ناقصًا؛ فالهيئة قد ترفض الطلب في مرحلة مبكرة إذا لم يتضمن الحد الأدنى من المعلومات المطلوبة.
وبالتالي، فإن تقديم ملف في اللحظات الأخيرة لا يضمن بالضرورة الحصول على الوضع القانوني المرتبط بطلب صالح مقدم ضمن المهلة.
بالنسبة إلى الشركات الموجودة أصلًا في سجل الهيئة لمكافحة غسل الأموال، فإن الانتقال إلى النظام الجديد يعني توسيع نطاق التقييم التنظيمي.
فإلى جانب الضوابط الخاصة بالجرائم المالية، ستخضع الشركات لمتطلبات تتعلق بالحوكمة وسلوك السوق وحماية العملاء والمرونة التشغيلية وقواعد السلوك.
وقد تساعد الأنظمة والضوابط القائمة في إثبات مستوى من الجاهزية، لكنها لا تحل محل المتطلبات الجديدة.
وتطلب الهيئة من الشركات ربط كل نشاط ترغب في الحصول على ترخيص له بنموذج أعمالها، ثم مقارنة الضوابط القائمة بالمعايير التي يفرضها FSMA، ووضع خطة تنفيذ واضحة تحظى بموافقة مجلس الإدارة.
وينبغي أن تحدد هذه الخطة المسؤوليات والتعديلات المطلوبة وخطوات التنفيذ والجدول الزمني.
تظهر أنشطة حفظ الأصول الرقمية بوضوح مدى التفصيل الذي يمكن أن تتطلبه عملية الترخيص.
فقد تكون الشركة تستخدم بالفعل التخزين البارد وأنظمة الموافقة متعددة التوقيعات لحماية أصول العملاء، لكن ذلك لا يعني أن مجرد وصف هذه التقنيات سيكون كافيًا.
قد تحتاج الشركة إلى توضيح الجهة التي تسيطر على المفاتيح الخاصة، والكيان القانوني المسؤول عن أصول العميل، والطريقة التي تتم بها مطابقة السجلات مع أرصدة المحافظ، وآليات الإبلاغ عن الحوادث واختبار إجراءات التعافي.
وبذلك، لا يقتصر اهتمام الجهة التنظيمية على معرفة التكنولوجيا المستخدمة، بل يمتد إلى فهم كيفية تطبيقها ومن يتحمل المسؤولية عند وقوع خلل.
قد تكون بعض الشركات الرقمية جزءًا من مجموعات تضم عدة كيانات قانونية؛ فقد تمتلك شركة العلامة التجارية، بينما تتولى شركة ثانية التعامل مع العملاء البريطانيين، وتكون شركة ثالثة مسؤولة عن الاحتفاظ بالأصول خارج المملكة المتحدة.
في مثل هذه الحالات، لا يغطي طلب ترخيص واحد تلقائيًا جميع الكيانات.
وتظهر أهمية هذه النقطة في الأسئلة المتعلقة بالهيكل المؤسسي والأشخاص المسيطرين والروابط الوثيقة.
كما يحتاج العميل إلى معرفة الجهة التي يتعاقد معها والكيان المسؤول عن أصوله، حتى لو كانت هذه التفاصيل غير ظاهرة بشكل واضح في واجهة التطبيق.
ولا تقتصر المتطلبات على الشركات البريطانية.
فالمجموعات الأجنبية التي تستهدف العملاء في المملكة المتحدة تحتاج إلى التعامل مع مسائل تتعلق بوجودها القانوني ونطاق خدماتها داخل السوق.
وإذا كانت الشركة تعمل عبر فرع بريطاني، فقد تحتاج إلى توضيح كيفية استيفائها للمعايير التنظيمية المطلوبة مع استمرار جزء من عملياتها في الخارج.
كما أن تأسيس الشركة خارج المملكة المتحدة لا يحسم بمفرده مسألة وضع خدماتها المقدمة للعملاء البريطانيين.
رغم أن النظام الجديد يهدف إلى توفير إطار تنظيمي أوضح لشركات العملات الرقمية، فإن الترخيص لا يعني تلقائيًا حصول الشركة على خدمات مصرفية.
فحتى الشركة التي تحصل على موافقة هيئة السلوك المالي قد تواجه قيودًا أو شروطًا من البنوك البريطانية بشأن المدفوعات المرتبطة بأنشطة العملات الرقمية.
وهذا يعني أن الوضع التنظيمي للشركة شيء، والعلاقة التجارية بينها وبين المؤسسات المصرفية شيء آخر.
وبالتالي، فإن حصول منصة على ترخيص لا يضمن تلقائيًا أن يتمكن جميع عملائها من ربط حساباتهم المصرفية بخدماتها أو إجراء جميع التحويلات التي يرغبون فيها.
يحمل النظام الجديد كذلك آثارًا محتملة على الشركات الصغيرة التي لا تمتلك الموارد البشرية والمالية المتاحة لدى المؤسسات الأكبر.
فإعداد ملف ترخيص شامل، وإنشاء أنظمة رقابة مستقلة، وتطوير توقعات مالية مفصلة، وتلبية متطلبات الحوكمة والامتثال، كلها عمليات قد تحتاج إلى موارد كبيرة.
وتقر الهيئة بأن النظام يهدف إلى دعم نمو مستدام وحماية المستهلكين، لكن تطبيق المعايير الجديدة يفرض في المقابل تكاليف تشغيلية وتنظيمية على الشركات.
ويبقى نجاح الشركات الصغيرة في اجتياز العملية مرتبطًا بقدرتها على إثبات استيفائها للمعايير المطلوبة، وليس بمجرد وجودها في السوق أو امتلاكها تسجيلًا سابقًا.
لا يعني إطلاق بوابة التقديم أن جميع تفاصيل النظام ستبقى ثابتة منذ اليوم الأول.
فقد أعلنت الهيئة أن بعض السياسات والبيانات الإضافية ستصدر لاحقًا، كما أن النموذج الاسترشادي نفسه قد يخضع لتغييرات طفيفة عند إطلاق النسخة الإلكترونية النهائية.
وقد تظهر أيضًا حالات تتعلق بمنتجات تقع على الحدود بين الأنشطة المنظمة وغير المنظمة، ما يجعل تصنيف بعض النماذج التجارية مسألة تحتاج إلى دراسة تفصيلية.
لكن هذه المسائل لا تغير من أهمية المواعيد الرئيسية التي أعلنتها الهيئة، ولا من الفارق بين الطلب المقدم ضمن المهلة والطلب المتأخر.
لا يعني تقديم الطلب أن الشركة ضمنت الحصول على الترخيص أو حتى الوصول بالضرورة إلى مرحلة التقييم الكامل.
فقد ترفض الهيئة الطلب في مرحلة مبكرة إذا لم يتضمن الحد الأدنى من المعلومات المطلوبة.
ويختلف ذلك عن الرفض بعد دراسة الملف، إذ يمكن في الحالة الثانية أن يدخل مقدم الطلب في مسار استئناف، وقد تكون له آثار مختلفة على وضعه الانتقالي بحسب توقيت الطلب وحالة الطعن.
كما أن الشركة التي تعلن أنها تستأنف قرار رفض لا يعني ذلك تلقائيًا أنها تستطيع الاستمرار في استقبال عملاء جدد، إذ يعتمد وضعها على المسار القانوني الذي تنطبق عليه.
أما الانسحاب من الطلب فهو حالة مختلفة أيضًا، وقد يسمح في ظروف محددة للشركة بالاستمرار في إنهاء الأعمال القائمة ضمن ترتيبات انتقالية، لكنه لا يمثل بديلًا عن الحصول على الترخيص إذا كانت الشركة تريد مواصلة التوسع في السوق.
بالنسبة للمستخدمين، قد تبدو الفروق بين شركة مرخصة، وشركة تنتظر القرار، وشركة تعمل ضمن ترتيبات انتقالية مسألة قانونية، لكنها قد تنعكس بصورة مباشرة على الخدمات المتاحة لهم.
فالشركة التي قدمت طلبًا صالحًا في الوقت المحدد وما زال قيد المراجعة قد تستفيد من أحكام الحماية الانتقالية، إذا استوفت الشروط المطلوبة.
في المقابل، قد تكون الشركة التي قدمت طلبها بعد الموعد النهائي مقيدة في قدرتها على إبرام عقود جديدة إذا دخلت المرحلة الانتقالية قبل صدور القرار.
ويعتمد تحديد ما إذا كان تغيير معين في الحساب أو الخدمة يمثل عقدًا جديدًا على الشروط الفعلية للعلاقة مع العميل وطبيعة العملية.
كما تحتفظ الهيئة بصلاحيات تسمح لها بفرض شروط على الترتيبات الانتقالية أو تعديلها أو إلغائها في حالات معينة، بما في ذلك الحالات المرتبطة بحماية المستهلكين ومنع الجرائم المالية.
مع بدء صدور قرارات الترخيص، سيكون من المهم التمييز بين عدة أوضاع قانونية مختلفة.
فالتسجيل ضمن نظام مكافحة غسل الأموال ليس هو نفسه الحصول على ترخيص بموجب FSMA، كما أن تقديم طلب الترخيص لا يعني الحصول عليه، ولا يمكن مساواة الشركة التي تنتظر قرار الهيئة بشركة حصلت بالفعل على صلاحيات محددة.
وقد تكون الشركة نفسها مرخصة لنشاط معين، بينما تظل خدمات أخرى خارج نطاق الترخيص.
ولهذا سيكون من المهم بالنسبة للعملاء والشركاء التأكد من الكيان القانوني الذي يقدم الخدمة، والأنشطة التي يغطيها الترخيص، وطبيعة الوضع التنظيمي للشركة.
مع حلول 25 أكتوبر 2027، ستدخل قواعد النظام الجديد حيز التنفيذ، وستصبح الفروق بين التراخيص والحماية الانتقالية والترتيبات الخاصة بإنهاء الأعمال أكثر وضوحًا في السوق.
وقد تواصل بعض الشركات المؤهلة تقديم خدمات محددة أثناء دراسة طلباتها، لكن هذا الوضع لا ينبغي الخلط بينه وبين الحصول على الترخيص النهائي.
وفي المقابل، ستواجه الشركات التي تدخل مسار الخروج الانتقالي قيودًا تهدف إلى تمكينها من إنهاء علاقاتها القائمة بصورة منظمة، وليس منحها مساحة مفتوحة لمواصلة التوسع.
أما العملاء، فسيحتاجون إلى فهم الجهة التي يتعاملون معها والوضع التنظيمي الذي تعمل بموجبه، وما يترتب على ذلك بالنسبة إلى الأصول والشكاوى وغيرها من جوانب العلاقة التعاقدية.
وتشير الهيئة إلى أن الشركات التي تتقدم خلال فترة التقديم الرئيسية ستُتخذ بشأنها القرارات عمومًا قبل بدء النظام الجديد، لكن ذلك لا يمثل ضمانًا بالموافقة على جميع الطلبات أو حسم كل ملف في تاريخ محدد.
في نهاية المطاف، لا تبدأ عملية الترخيص من ملء النموذج، وإنما من فهم دقيق لنموذج الأعمال نفسه.
فعلى الشركة أن تعرف من يتعامل مع العميل، ومن ينفذ أوامر التداول، وأين تحفظ الأصول، ومن يسيطر على المفاتيح الخاصة، وأين يوجد العملاء، وما الكيان القانوني المسؤول عن كل خدمة، ومن يتخذ القرارات داخل المجموعة.
ومن دون هذه الخريطة، يصبح تحديد التراخيص المطلوبة أكثر تعقيدًا، كما يصعب على الشركة إثبات أن أنظمتها وضوابطها تتناسب مع النشاط الذي تريد ممارسته.
ومع فتح هيئة السلوك المالي البريطانية باب طلبات الترخيص، تبدأ شركات العملات الرقمية مرحلة مختلفة في علاقتها بالسوق البريطانية؛ مرحلة لن يكون فيها مجرد وجود الشركة أو تسجيلها السابق كافيًا، بل ستحتاج إلى إثبات قدرتها على العمل ضمن إطار تنظيمي أكثر تفصيلًا واتساعًا.




