المغرب يشنّ حربًا جبائية على الغش الضريبي ويضيق الخناق على الاقتصاد غير المهيكل

يراهن المغرب، في إطار إصلاحه الجبائي الجاري، على تعزيز آليات محاربة الغش الضريبي والحد من الاقتصاد غير المهيكل، باعتبارهما أحد أهم التحديات التي تواجه المنظومة المالية الوطنية، وفق ما أكده المدير العام لإدارة الضرائب، يونس الإدريسي القيطوني.
وخلال مشاركته في ندوة نظمها موقع “medias24” الناطق بالفرنسية، أوضح القيطوني أن الإصلاح الضريبي لم يعد مجرد تحديث تقني للنصوص والمساطر، بل تحول إلى رافعة أساسية لإعادة ضبط قواعد العدالة الجبائية وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف المقاولات.
وسلط المسؤول الضريبي الضوء على الإشكالات التي طبعت النظام الجبائي خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها انتشار ممارسات الغش، خصوصًا في ما يتعلق بالضريبة على القيمة المضافة (TVA)، حيث تم استغلال بعض الثغرات القانونية لإنشاء شركات صورية تنخرط في عمليات استيراد ضخمة دون الالتزام بالواجبات الضريبية، قبل إعادة توجيه السلع نحو السوق الموازية، ما كان يؤثر على المداخيل العمومية ويخلق منافسة غير متكافئة مع الفاعلين المهيكلين.
وأشار القيطوني إلى أن هذه الممارسات كانت صعبة الرصد في السابق، بالنظر إلى محدودية أدوات التتبع، حيث كان النظام الضريبي يعتمد أساسًا على آليات التصحيح والمراقبة اللاحقة، دون القدرة على تتبع المسار الكامل للسلع بعد دخولها السوق، وهو ما ساهم في توسع قنوات الاقتصاد غير الشفاف.
وفي هذا الإطار، اعتبر أن إدراج نظام الضمانات ضمن عمليات الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة شكل نقطة تحول مهمة، إذ أعاد تنظيم العملية من جذورها، من خلال فرض ضمانات مالية أو عينية على العمليات الكبرى، بما يمنع تحويل الإعفاء الضريبي إلى منفذ للتهرب أو الغش.
ووفق المعطيات التي قدمها، فقد أسفر هذا التحول عن نتائج ملموسة، حيث تم تسجيل انخفاض يناهز 96% في حالات الغش المرتبطة باستيراد التجهيزات خلال سنة واحدة فقط، وهو ما يعكس، حسب تعبيره، فعالية هذه الآلية في تضييق الخناق على الاقتصاد غير المهيكل المرتبط بالاستيراد وإعادة التوزيع غير القانوني.
وأكد القيطوني أن الهدف من هذه الإجراءات لا يتمثل في فرض قيود على المقاولات، بل في حماية الفاعلين الملتزمين الذين كانوا يتضررون من المنافسة غير العادلة، موضحًا أن البيئة الجبائية الجديدة أصبحت أكثر شفافية، وتعتمد على الرقابة المسبقة بدل المعالجة اللاحقة للمخالفات.
وفي ما يتعلق بمسار الإصلاح الشامل، ذكّر المدير العام لإدارة الضرائب بأن هذا الورش انطلق من مناظرات وطنية سنة 2019 بالصخيرات، شكلت محطة تشخيص جماعي للنظام الجبائي بمشاركة مختلف الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والسياسيين، حيث تم التوافق على ضرورة إصلاح عميق يعيد التوازن للمنظومة الضريبية.
وأضاف أن هذه النقاشات أفرزت توصيات تم تعزيزها بمخرجات النموذج التنموي الجديد، قبل أن تُترجم إلى قانون إطار سنة 2021، حدد خارطة طريق للإصلاح تمتد على خمس سنوات.
وأوضح أن هذا القانون قسّم الإصلاح إلى مراحل، شملت إصلاح ضريبة الشركات بين 2023 و2026، وإصلاح الضريبة على القيمة المضافة بين 2024 و2026، فيما خضعت ضريبة الدخل لتعديلات تدريجية ما بين 2021 و2025، في إطار مقاربة شاملة مست مختلف مكونات النظام الجبائي.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن سنة 2026 لن تكون مرحلة إطلاق إصلاحات كبرى جديدة، بل محطة لتثبيت المكتسبات وتعزيز الاستقرار الجبائي، بما يمنح وضوحًا أكبر للفاعلين الاقتصاديين ويعزز الثقة في المنظومة.
أما بخصوص الجبايات المحلية، فأكد أنها تمثل المرحلة الأخيرة من هذا الورش الإصلاحي، حيث بلغ العمل عليها مراحل متقدمة، في أفق استكمال إعادة هيكلة المنظومة الجبائية وفق الرؤية التي حددها القانون الإطار.




