أمانسيو أورتيغا.. من أسطورة “زارا” إلى مهندس أكبر إمبراطورية عقارية فردية في العالم

لم يعد اسم أمانسيو أورتيغا مرتبطاً حصرياً بعالم الموضة والملابس السريعة، فالرجل الذي أسس إمبراطورية “زارا” عبر مجموعة “إنديتكس”، أعاد رسم ملامح ثروته في صمت، ليصبح أحد أقوى الفاعلين في سوق العقارات العالمي، وأكبر مستثمر عقاري فردي في العالم. وخلال ما يقارب عقدين، شيّد أورتيغا محفظة عقارية تتجاوز قيمتها 25 مليار دولار، موزعة على أكثر من 200 أصل في نحو 13 دولة.
ورغم أن شهرته بدأت من قطاع الأزياء، فإن أورتيغا، الذي تقدر ثروته الإجمالية بحوالي 141 مليار دولار، انتقل تدريجياً نحو العقارات، ليبني حضوراً ثقيلاً في هذا القطاع عبر استثمارات تفوق 3 مليارات دولار في عام واحد فقط، شملت مكاتب راقية وفنادق ومراكز لوجستية ومجمعات تجارية في مدن كبرى حول العالم.
في الأشهر الأخيرة، برزت واحدة من أبرز صفقات أورتيغا حين استحوذ على مبنى “بريد كندا” التاريخي في فانكوفر مقابل نحو 850 مليون دولار نقداً، في واحدة من أكبر صفقات العقارات المكتبية في تاريخ كندا. ويتميز المبنى، الذي تتجاوز مساحته مليون قدم مربعة، بأنه مؤجر بالكامل لشركة أمازون، ما يعكس توجهه نحو أصول مستقرة ذات عوائد مضمونة.
هذه الصفقة ليست سوى جزء من موجة توسع شملت 13 عملية استحواذ خلال عام واحد فقط، امتدت عبر 10 مدن في 8 دول. وتضمنت الحزمة سبعة مبانٍ مكتبية، فندقين، مركزين صناعيين، مركزاً تجارياً فاخراً، برجاً سكنياً، إضافة إلى حصة في ميناء بريطاني استراتيجي.
ومنذ إدراج “إنديتكس” في البورصة الإسبانية عام 2001، استثمر أورتيغا نحو 24 مليار دولار في شراء 216 عقاراً تقريباً، محتفظاً بمعظمها دون بيع سوى عدد محدود لا يتجاوز 10 أصول، وهو ما يعكس نهجاً استثمارياً طويل الأجل بعيداً عن المضاربة.
يعتمد أورتيغا في استثماراته العقارية على فلسفة مختلفة عن السائد في القطاع. فهو يتجنب الاقتراض بشكل شبه كامل، ويفضل التمويل النقدي المباشر، مع الابتعاد عن إعادة البيع السريع أو التطوير المضاربي، لصالح الاحتفاظ بالأصول لعقود طويلة بهدف تحقيق دخل ثابت ومستدام.
ويصف خبراء تعاملوا مع شركته “بونتيغاديّا” أسلوبه بأنه أقرب إلى “اقتناء أصول نادرة” منه إلى الاستثمار التقليدي، إذ يركز على عقارات في مواقع استراتيجية داخل المدن الكبرى يصعب تعويضها أو استنساخها.
ومن بين أبرز أصوله العقارية: برج “توري بيكاسو” في مدريد، و”ديفونشاير هاوس” المطل على “غرين بارك” في لندن، إضافة إلى مجمع “تروي بلوك” في سياتل الذي يضم مقر شركة أمازون، إلى جانب استثمارات كبيرة في تورونتو وسياتل ولندن.
وتضم قائمة المستأجرين داخل هذه الأصول شركات عالمية كبرى مثل أمازون وآبل وميتا ونايكي وسبوتيفاي، إضافة إلى شركات لوجستية عملاقة مثل فيديكس وولمارت وهوم ديبوت، ما يمنح تدفقات نقدية مستقرة وطويلة الأمد.

تُعد المخاطر المنخفضة إحدى أبرز سمات الإمبراطورية العقارية لأورتيغا. إذ لا تتجاوز نسبة الديون 2% من إجمالي الأصول، وهو مستوى نادر في قطاع يعتمد عادة على الرافعة المالية بشكل كبير.
كما يركز على ما يعرف بـ”الأصول الدفاعية”، أي العقارات الواقعة في مراكز المدن الكبرى، والتي تحافظ على قيمتها حتى خلال فترات التباطؤ الاقتصادي أو الركود.
ويرى محللون أن هذا النموذج يمنحه حصانة قوية أمام تقلبات السوق، خصوصاً في ظل التحولات التي يشهدها قطاع المكاتب عالمياً بعد جائحة كورونا وتغير أنماط العمل.
إلى جانب البعد الاستثماري، يرتبط جزء من استراتيجية أورتيغا باعتبارات ضريبية في إسبانيا، حيث تُفرض ضرائب على الثروة قد تصل إلى 3.5% سنوياً، إضافة إلى ضرائب تضامنية مستحدثة.
في المقابل، تستفيد الشركات العائلية النشطة من إعفاءات ضريبية في حال استيفاء شروط معينة، وهو ما ينطبق على شركته “بونتيغاديّا”. وبذلك، يتيح تحويل الأرباح إلى أصول تشغيلية مثل العقارات تقليل العبء الضريبي بشكل كبير.
وتشير تقديرات إلى أن هذه الاستراتيجية وفرت له نحو 800 مليون دولار من ضرائب الثروة خلال 25 عاماً، إلى جانب خفض كبير في الضرائب على توزيعات الأرباح.
رغم حجم الأصول الهائل، تُدار الإمبراطورية العقارية عبر هيكل إداري محدود لا يتجاوز 90 موظفاً موزعين على ثمانية مكاتب حول العالم، بينما يتكون مجلس الإدارة من أربعة أعضاء فقط، بينهم أورتيغا وأفراد من عائلته والمدير التنفيذي.
هذا الهيكل يعكس أسلوب إدارة شديد المركزية، يعتمد على قرارات كبيرة واستراتيجيات طويلة الأجل بعيداً عن التعقيد الإداري التقليدي.




