أسواق الطاقة أمام مرحلة طويلة من شح الإمدادات وتقلب الأسعار

تتجه أسواق الطاقة العالمية إلى مواجهة فترة طويلة من الضغوط على الإمدادات وتقلبات حادة في الأسعار، في ظل تراجع قدرة القطاع على امتصاص الصدمات الناجمة عن الاضطرابات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وفق تقديرات مسؤولين تنفيذيين في شركتي «شل» و«إكوينور».
وتأتي هذه التوقعات في وقت شهدت فيه أسواق النفط والغاز ارتفاعاً قوياً في الأسعار، بعدما دفعت الهجمات التي استهدفت ناقلات النفط في المنطقة أسعار الخام إلى الاقتراب من مستوى 110 دولارات للبرميل خلال الأسبوع الجاري، للمرة الأولى منذ مايو الماضي.
ولم تقتصر تداعيات اضطرابات الإمدادات على النفط الخام، إذ شهدت أسعار المنتجات المكررة ارتفاعات أكثر حدة، مع وصول أسعار بعض أنواع الوقود، وفي مقدمتها الديزل، إلى مستويات قياسية، ما يزيد الضغوط على المستهلكين والأسواق العالمية.
ورغم ذلك، يرى آدم ريتشي، كبير خبراء الاقتصاد في «شل تريدينج»، أن قدرة أسواق الطاقة على التعامل مع الصدمة التي تعرضت لها منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في أواخر فبراير الماضي كانت لافتة، مشيراً إلى أن الأسواق تمكنت حتى الآن من استيعاب جزء كبير من الاضطرابات.
وأوضح ريتشي، خلال مؤتمر صناعي في أوسلو، أن تقديرات «شل» تشير إلى فقدان الأسواق العالمية نحو 36 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، وهي كمية تعادل إجمالي واردات بريطانيا وفرنسا من الغاز الطبيعي المسال خلال العام الماضي، إلى جانب خسارة نحو 1.6 مليار برميل من النفط الخام والمكثفات.
وأشار إلى أن الأسواق تمكنت من الحد من تأثير هذه الخسائر بفضل مجموعة من العوامل، من بينها انخفاض الطلب الصيني، والاعتماد على المخزونات المتاحة، ومرونة قطاع الشحن، والاستفادة من الطاقة الفائضة في خطوط الأنابيب، فضلاً عن زيادة الإنتاج في أمريكا الشمالية والجنوبية.
غير أن هذه الآليات التي ساعدت الأسواق على امتصاص الصدمة بدأت، بحسب ريتشي، في فقدان جزء من فعاليتها، وهو ما يرفع مخاطر تعرض أسواق الطاقة لمزيد من اضطرابات الإمدادات كلما طال أمد الأزمة.
وقال إن عودة ممرات الطاقة المتضررة إلى العمل لن تعني بالضرورة استعادة أوضاع السوق لطبيعتها بشكل سريع، موضحاً أن تراكمات الشحن والإنتاج والاختناقات التي طالت سلاسل التوريد قد تؤخر عودة الأسواق إلى مستوياتها الطبيعية حتى عام 2027، في حال عدم تعرض البنية التحتية للطاقة لمزيد من الأضرار.
وأضاف أن مرحلة جديدة من الضغوط قد تبدأ بعد استعادة تدفقات الطاقة، إذ ستحتاج الأسواق إلى إعادة بناء مخزوناتها التي تراجعت خلال فترة الأزمة، وهي عملية قد تستمر في استنزاف الإمدادات حتى أواخر العام المقبل وربما لفترة أطول.
وفي أوروبا، تبدو المخاوف أكثر وضوحاً مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل انخفاض مستويات تخزين الغاز مقارنة بالمتوسطات الموسمية، الأمر الذي يجعل القارة أكثر حساسية تجاه تطورات السوق العالمية.
وقال أندرس أوبيدال، الرئيس التنفيذي لشركة «إكوينور»، إن مسار أسعار الغاز في أوروبا خلال الفترة المقبلة سيتأثر بعدة عوامل، أبرزها الظروف الجوية، وحجم تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، إضافة إلى المنافسة مع الأسواق الآسيوية للحصول على شحنات الغاز.
وأوضح أوبيدال، على هامش المؤتمر، أن أدوات امتصاص الصدمات التي كانت متاحة في بداية الصراع لم تعد بالفاعلية نفسها، متوقعاً أن يلمس المستهلكون آثار هذه التطورات خلال الأشهر المقبلة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن تداعيات اضطرابات الطاقة قد لا تتوقف بمجرد عودة بعض خطوط الإمداد والممرات التجارية إلى العمل، إذ إن إعادة تكوين المخزونات ومعالجة اختناقات النقل والإنتاج وسلاسل التوريد قد تبقي الأسواق العالمية تحت ضغط لفترة أطول.




