Ad
اقتصاد المغربالأخبارالشركات

هندسة التدفقات… كيف أعاد منصف بلخياط تعريف اللوجستيك في المغرب ؟

لم يكن أحد يراقب بدقة حين كان منصف بلخياط يضع اللبنة الأولى. عام 2005، في زمن كانت فيه الشركات الناشئة المغربية تتسابق على الظهور والإعلان، اختار بلخياط المسار المعاكس تماماً: العمل في الظل، بعيداً عن الضجيج، على بناء شيء لا يراه أحد بوضوح — لكن الجميع يمر عبره كل يوم.

عشرون عاماً لاحقاً، بات جلياً أن ما شيّده مؤسس مجموعة Dislog ليس مجرد شركة توزيع أو حتى تكتلاً من العلامات التجارية. ما يتكشّف اليوم هو بنية تحتية صناعية بالغة التعقيد، تشبه في منطقها شبكات السكك الحديدية: من يمتلكها لا يحتاج إلى منافسة أحد — فالجميع مضطر للمرور عبرها.

في 17 أكتوبر 2025، أعلنت شركة Buildings & Logistic Services عن استحواذها على مجموعة “La Voie Express”، في ما وُصف على الفور بأنه الصفقة الأضخم في تاريخ قطاع اللوجستيك بالمملكة. لكن من يقرأ الخبر بعين مجرّدة يفوته الأهم: لم يكن ذلك مجرد استحواذ تجاري، بل كان إعلان ميلاد.

للمرة الأولى في المغرب، أصبح كيان واحد قادراً على إدارة سلسلة الإمداد بأكملها — من الشحن الدولي عبر الموانئ والمطارات، مروراً بالتخزين والفرز، وصولاً إلى التوصيل النهائي على باب المتجر أو المنزل. لم يكن بلخياط يُتمّ صفقة؛ كان يُغلق حلقة.

الجذور تعود إلى ما قبل Dislog بسنوات. حين كان بلخياط يشتغل داخل Procter & Gamble، لم يكتفِ بتعلّم أبجديات التسويق وإدارة العلامات التجارية. ما استوعبه بعمق، وفق ما يرويه المقربون منه، كان شيئاً أصعب وأكثر تجريداً: “هندسة التدفقات”.

يُقصد بذلك القدرة على إدارة سلاسل الإمداد بدقة شبه جراحية — التحكم في التكلفة، ضمان الجودة، وإيصال المنتج إلى السوق المناسب في الوقت المناسب بأقل هدر ممكن.

هذه المقاربة ولّدت لديه قناعة راسخة: التوزيع ليس نشاطاً تجارياً بسيطاً؛ إنه نظام صناعي معقد يستحق أن يُبنى كما تُبنى المصانع — بدقة ورؤية بعيدة المدى.

بين 2005 و2011، كانت Dislog تُصنَّف خارجياً كفاعل تقليدي في توزيع منتجات الشركات متعددة الجنسيات. لكن ما كان يجري فعلياً على الأرض كان مختلفاً تماماً: بناء شبكة توزيع دقيقة تمتد من الأسواق الشعبية في الأحياء الشعبية إلى الصيدليات ومحطات الوقود، عبر آلاف نقاط البيع الموزعة على امتداد التراب الوطني.

هذه المعرفة الميدانية — من يشتري ماذا، وأين، ومتى، وبأي إيقاع — ستتحول لاحقاً إلى أحد أثمن أصول المجموعة، أصعب بكثير من تقليده أو شرائه.

عام 2011، جاءت الخطوة المفصلية الأولى: قرر بلخياط فصل الأنشطة اللوجستية عن التوزيع وإدراجها داخل كيان مستقل. الخطوة بدت تقنية وإدارية في ظاهرها. لكنها كانت في العمق إعلاناً فلسفياً: اللوجستيك لم يعد تكلفة يجب تقليصها، بل أصبح أصلاً استراتيجياً يجب تثمينه.

فمنذ 2022، انتقلت المجموعة إلى مرحلة مختلفة نوعياً. دخل مستثمرون دوليون، وتدفقت تمويلات ضخمة ناهزت 1.25 مليار درهم في غضون سنتين فقط، وُجِّهت بصورة رئيسية نحو تعزيز البنية اللوجستية وتوسيعها.

وفي المقابل، لم تتوقف عمليات الاستحواذ. لكنها لم تكن توسعاً أفقياً عشوائياً؛ كانت كل صفقة تُضيف “قطاراً جديداً” على سكك جاهزة مسبقاً:

في القطاع الصحي، استثمرت المجموعة في الأجهزة الطبية والصناعات الدوائية، مستفيدة من بنيتها اللوجستية التي تستوفي اشتراطات التخزين المبرّد والنقل الدقيق.

وفي المجال الغذائي، فتحت القناة الأوروبية لاستيراد وتوزيع المنتجات، مستندة إلى قدرتها على التحكم في سلاسل التوريد الدولية.

أما في قطاع النظافة والصناعات الكيميائية، فقد أغلقت الحلقة بالكامل: تصنيع وتوزيع منتجاتها الخاصة عبر شبكتها الذاتية.

النتيجة: تراجع حاد في التكاليف، وارتفاع ملحوظ في هوامش الربحية. وظهور ما يُشبه “الخندق التنافسي” — ميزة دفاعية بنيوية يصعب على أي منافس تجاوزها لأنها مُضمَّنة في التكاليف الثابتة لا في الأسعار المتغيرة.

الحلقة الأكثر أهمية ربما هي الأصغر حجماً في الظاهر: منصة “Chari”، التي تعمل على رقمنة عمليات الطلب وربط مئات آلاف المتاجر الصغيرة — تلك التي تُشكّل العمود الفقري لاقتصاد الاستهلاك اليومي في المغرب — بشبكة التوزيع.

لكن “Chari” ليست مجرد تطبيق أو قناة مبيعات إضافية. إنها في الواقع طبقة ذكاء فوق البنية التحتية القائمة: كل طلب يُولّد بيانات، كل توصيل يُحسّن المسار، وكل معاملة مالية تبقى داخل النظام. المنتج والبيانات والمدفوعات — الثلاثة يتحركون داخل نفس الشبكة.

هذا يعني أن المنظومة لا تكبر فقط حين تُضاف إليها شركة جديدة، بل تكبر أيضاً حين يُضاف إليها مستخدم جديد. وهو نموذج أقرب إلى منطق شركات التكنولوجيا منه إلى منطق التكتلات الصناعية التقليدية.

و مع مطلع 2026، أعادت المجموعة رسم هويتها المؤسسية تحت مظلة H&S Group، وأعلنت عن خطة طموحة لإدراج ست شركات في بورصة الدار البيضاء بين 2026 و2030.

الرسالة لم تكن للمستثمرين فحسب. كانت إعلاناً بأن النموذج بلغ مرحلة النضج الكافية للعرض على السوق المالية — وهو اختبار الحقيقي الأصعب، حيث لا تكفي الروايات الجيدة، بل تُطلب الأرقام.

اليوم، ومع اقتراب أولى عمليات الإدراج، يجد المحللون الماليون في الدار البيضاء أنفسهم أمام نموذج لا يجدون له مرجعاً محلياً واضحاً: تكتل اقتصادي متكامل يجمع الصناعة واللوجستيك والتوزيع والتكنولوجيا داخل منظومة واحدة متشابكة.

السؤال لم يعد: كم تساوي هذه الشركات؟ السؤال الأعمق هو: هل هذا النموذج قادر على إعادة رسم قواعد المنافسة في الاقتصاد المغربي خلال العقد المقبل؟
والإجابة، بحسب ما تُلمّح إليه المعطيات، قد تكون نعم — لأن من يملك السكة لا يحتاج إلى الجري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى