مخاوف الركود التضخمي ترفع عوائد السندات طويلة الأجل في المغرب

دخل سوق السندات المغربي مرحلة جديدة من الحذر، مع تسجيل ارتفاع في أسعار الفائدة المرتبطة بالآجال الطويلة، في وقت تتزايد فيه المخاوف لدى المستثمرين بشأن إمكانية دخول الاقتصاد العالمي في مرحلة تجمع بين تباطؤ النمو واستمرار الضغوط على الأسعار.
ويعكس هذا التحول في السوق الثانوية المغربية ارتفاع العائد الذي يطلبه المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة الأجل، في ظل بيئة اقتصادية دولية تتسم بقدر أكبر من عدم اليقين، وتدفع المتعاملين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن التضخم والنمو وتكلفة التمويل.
وتأتي هذه التطورات في وقت تلقي فيه التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط بظلالها على أسواق الطاقة، خصوصا مع المخاوف المرتبطة بمسار أسعار النفط، بالتزامن مع إعادة النظر في عدد من توقعات النمو الاقتصادي.
وتزيد هذه العوامل من صعوبة تحديد المسار المستقبلي للأسواق المالية، خصوصا بالنسبة للاستثمارات ذات الآجال الممتدة.
ويبرز ارتفاع العوائد على السندات طويلة الأجل باعتباره أحد المؤشرات على تنامي حذر المستثمرين. فكلما ارتفعت المخاطر المرتبطة بالتضخم أو بتغيرات أسعار الفائدة، يميل المستثمرون إلى طلب عائد أكبر للتعويض عن المخاطر المرتبطة بالاحتفاظ باستثمارات تمتد لسنوات.
وتزداد حساسية هذه السندات في بيئة اقتصادية تتداخل فيها مخاطر التضخم مع احتمالات تباطؤ النشاط، إذ يصبح تحديد الاتجاه المستقبلي لأسعار الفائدة والسياسة النقدية أكثر تعقيدا.
ويحظى هذا التطور بأهمية خاصة بالنسبة لتمويل الخزينة، إذ إن استمرار ارتفاع العوائد قد ينعكس على تكلفة الاقتراض عند اللجوء إلى إصدار سندات جديدة، سواء في السوق المحلية أو في الأسواق الدولية، بحسب ظروف التمويل السائدة عند كل عملية.
ولا يمكن فصل حركة سوق السندات عن مسار السياسة النقدية، إذ تظل قرارات بنك المغرب المتعلقة بسعر الفائدة الرئيسي من بين العناصر التي تراقبها الأسواق عن كثب.
وفي هذا السياق، أظهر استطلاع أجرته «Attijari Global Research» خلال شتنبر الماضي أن غالبية المستثمرين المشاركين كانت تتوقع الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي عند مستوى 2.25 في المائة، ما يعكس أهمية توقعات السياسة النقدية في تحديد توجهات المستثمرين داخل سوق السندات.
وتؤثر توقعات أسعار الفائدة بشكل مباشر في تقييم السندات، خصوصا طويلة الأجل، لأن أي تغير في تكلفة الأموال أو في التوقعات المستقبلية للسياسة النقدية يمكن أن يغير مستويات العائد المطلوبة في السوق.
ويأتي الحديث عن مخاطر «الركود التضخمي» في صدارة العوامل التي تزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي، باعتبار أن هذا السيناريو يجمع بين استمرار ارتفاع الأسعار وضعف وتيرة النمو.
وتكمن صعوبة هذا الوضع في أن أدوات السياسة الاقتصادية قد تواجه مفاضلة أكثر تعقيدا؛ فمواجهة التضخم قد تتطلب الحفاظ على ظروف نقدية أكثر تشددا، في حين أن ضعف النمو يدفع في الاتجاه المعاكس نحو البحث عن ظروف تمويل أكثر دعما للنشاط الاقتصادي.
وبالنسبة إلى أسواق السندات، يمكن أن تنعكس هذه البيئة في ارتفاع علاوة المخاطر والعوائد المطلوبة على الآجال الطويلة، خصوصا عندما تزداد حالة عدم اليقين بشأن المسار المستقبلي للتضخم وأسعار الفائدة.
ومن شأن استمرار ارتفاع العوائد طويلة الأجل أن يفرض تحديات إضافية أمام عمليات التمويل المستقبلية، خصوصا إذا تزامنت التطورات المحلية مع استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض في الأسواق العالمية.
غير أن ارتفاع العوائد لا يعني بالضرورة تراجع اهتمام المستثمرين بالدين السيادي المغربي، إذ تظل جاذبية السندات مرتبطة بمجموعة من العوامل، من بينها مستويات العائد، وتوقعات التضخم، والسياسة النقدية، والظروف المالية والاقتصادية العامة.
كما أن تطورات أسعار الطاقة ستظل عاملا مؤثرا في المشهد، بالنظر إلى انعكاساتها المحتملة على التضخم وتكاليف الإنتاج والطلب، وبالتالي على توقعات النمو والسياسة النقدية.
وفي ظل هذه المعطيات، يواصل المستثمرون مراقبة مجموعة من المؤشرات لتحديد اتجاه سوق السندات، وفي مقدمتها تطورات التضخم وأسعار النفط والنمو الاقتصادي، إلى جانب قرارات بنك المغرب والتحولات التي تشهدها أسواق الفائدة العالمية.
وتعكس حركة العوائد طويلة الأجل في السوق المغربية، في نهاية المطاف، حالة الحذر التي تفرضها بيئة اقتصادية دولية شديدة التقلب. وسيظل مسار التضخم والنمو والطاقة والسياسة النقدية من أبرز المحددات التي ستؤثر في تكلفة التمويل وتوجهات المستثمرين خلال الفترة المقبلة.




