بين جاذبية الاستثمار والتحكم في التكنولوجيا.. الفجوة الهيكلية التي تواجه علامة صُنع في المغرب

يُواصل الاقتصاد المغربي تعزيز حضوره داخل الخريطة الصناعية العالمية، مدفوعاً بصعود قطاعات استراتيجية مثل السيارات والطيران والطاقات المتجددة، غير أن هذا التقدم يفتح في المقابل نقاشاً متجدداً حول مدى قدرة السياسات الصناعية المعتمدة على إحداث تحول بنيوي عميق يضمن انتقالاً فعلياً نحو اقتصاد منتج للتكنولوجيا وليس فقط مستقطِباً للاستثمارات.
ورغم النجاح الذي حققه المغرب في ترسيخ موقعه ضمن سلاسل الإنتاج الدولية وجذب فاعلين صناعيين عالميين، تشير دراسة حديثة إلى أن هذا المسار، وإن كان قد دعم الصادرات وخلق فرص عمل مهمة، لم يصل بعد إلى مستوى بناء قاعدة صناعية وطنية مستقلة قادرة على التحكم في التكنولوجيا ورفع القيمة المضافة محلياً بما يحقق قدراً أكبر من السيادة الاقتصادية.
هذه الاستنتاجات ترد ضمن دراسة بعنوان “السياسات الصناعية الخضراء في المغرب”، صادرة عن المعهد العابر للقوميات (TNI) بشراكة مع جمعية أطاك المغرب، حيث تقدم قراءة تحليلية لمسار السياسات الصناعية المغربية منذ مرحلة الاستقلال، مع التركيز على التحولات البنيوية التي عرفها النموذج الاقتصادي، خصوصاً في ظل التحول نحو الاقتصاد الأخضر وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج عالمياً.
توضح الدراسة أن خيار التصنيع شكل منذ الاستقلال أحد الأعمدة الأساسية للسياسات الاقتصادية بالمغرب، من خلال اعتماد سياسات إحلال الواردات، وتطبيق إجراءات حمائية، ثم إطلاق سياسة “مغربة الشركات” بهدف تقوية الرأسمال الوطني وتأسيس قاعدة إنتاج محلية قادرة على تقليص التبعية للأسواق الخارجية.
لكن هذه السياسات، رغم ما أنتجته من نشوء بعض الأنشطة الصناعية، لم تنجح في تحقيق التحول الهيكلي المنشود. وترجع الدراسة ذلك إلى استمرار الاعتماد على استيراد التكنولوجيا والمعدات، وضعف الاستثمار الوطني في الصناعات ذات الأفق الطويل، إضافة إلى تداعيات الأزمات الاقتصادية التي عرفتها البلاد خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، والتي مهّدت للانتقال نحو برامج التقويم الهيكلي والانفتاح الاقتصادي.
ومع بداية الألفية الثالثة، دخل المغرب مرحلة جديدة قوامها استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتطوير قطاعات صناعية موجهة للتصدير، خصوصاً السيارات والطيران والإلكترونيات.
غير أن الدراسة تعتبر أن هذا التحول، رغم مساهمته في تعزيز الصادرات، لم ينجح في بناء منظومة صناعية وطنية متكاملة تتحكم في المعرفة التكنولوجية ومختلف مراحل الإنتاج.
وتبرز الدراسة أن المغرب تمكن خلال العقدين الأخيرين من ترسيخ موقعه كمنصة صناعية إقليمية، لاسيما في قطاع السيارات الذي أصبح من أهم مصادر العملة الصعبة، إلى جانب صناعة الطيران التي استقطبت شركات عالمية كبرى، ما يعكس نجاحاً واضحاً في سياسة جذب الاستثمارات وتحسين تنافسية العرض الصناعي الوطني.
غير أن هذا النجاح، وفق الدراسة، يخفي اختلالاً بنيوياً يتمثل في الفجوة بين ارتفاع حجم الصادرات الصناعية وبين محدودية التحكم في القيمة المضافة. إذ إن جزءاً مهماً من النشاط الصناعي يظل مندمجاً داخل سلاسل القيمة العالمية التي تقودها الشركات متعددة الجنسيات، حيث تحتفظ هذه الأخيرة بالأنشطة الأكثر ربحية، مثل البحث والتطوير والتصميم والتكنولوجيا، بينما يتركز الدور المحلي في عمليات التجميع والإنتاج الوسيط.
وبناءً على ذلك، تشير الدراسة إلى أن علامة “صُنع في المغرب” لا تعكس بالضرورة امتلاكاً فعلياً للتكنولوجيا أو السيطرة على القرار الصناعي، بقدر ما تعكس موقعاً متقدماً داخل منظومة إنتاج عالمية لا تزال مراكزها الاستراتيجية خارج البلاد، وهو ما تعتبره أحد أبرز التحديات التي ستواجه السياسة الصناعية المغربية في المرحلة المقبلة.



