المغرب يراجع أسس تصميم الطرق لمواكبة طفرة استثمارية بلغت 380 مليار درهم

في ظل تسارع وتيرة المشاريع الكبرى المرتبطة بالبنية التحتية، باشرت وزارة التجهيز والماء خطوة تقنية وُصفت بالمفصلية، عبر إطلاق طلب عروض دولي لإعادة صياغة الدليل التقني المعتمد لتصميم ورصف الطرق، وهو المرجع الهندسي الذي ظل دون مراجعة شاملة منذ سنة 1992، رغم التحولات العميقة التي شهدها قطاع النقل وتزايد الضغط على الشبكات الطرقية بفعل تطور حركة الشاحنات والمركبات الثقيلة، إضافة إلى تصاعد تأثيرات التغيرات المناخية والظواهر الجوية القصوى.
ويأتي هذا الورش في سياق دينامية استثمارية قوية يعرفها المغرب، حيث بلغ حجم الاستثمار العمومي خلال سنة 2026 نحو 380 مليار درهم، بزيادة تقارب 65 في المائة مقارنة بسنة 2021 التي سجلت حوالي 230 مليار درهم، وفق معطيات مديرية الميزانية.
ويعكس هذا الارتفاع توجهاً حكومياً نحو تسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية وتعزيز العدالة المجالية عبر تطوير شبكات النقل والبنية التحتية، إلى جانب دعم قطاعات الصحة والتعليم والماء.
ولا تقتصر أهمية هذا التحديث على الجانب التقني البحت، بل تمتد إلى إعادة هيكلة الأسس التي تُبنى عليها شبكة طرق وطنية تمتد على حوالي 48 ألف كيلومتر من الطرق المعبدة، وتُقدّر قيمتها بأكثر من 300 مليار درهم.
ويجعل هذا الحجم الكبير من البنية التحتية أي تحسين في معايير التصميم أو الصيانة عاملاً حاسماً في تقليص الكلفة الإجمالية للاستثمار العمومي ورفع جودة الخدمات وسلامة مستعملي الطرق.
وفي هذا الإطار، شدد وزير التجهيز والماء نزار بركة، خلال عرض قدمه أمام مجلس النواب، على أن تحسين جودة الطرق يشكل أولوية استراتيجية للوزارة، موضحاً أن 66 في المائة من الشبكة الوطنية والجهوية توجد حالياً في حالة جيدة أو جيدة جداً، مع هدف حكومي يطمح إلى رفع هذه النسبة إلى 80 في المائة بحلول سنة 2030.
وأضاف المسؤول الحكومي أن بلوغ هذا الهدف لا يعتمد فقط على توسيع الشبكة الطرقية، بل يتطلب تحولاً في طريقة تدبيرها، حيث أصبحت عمليات الصيانة تستحوذ على نحو 46 في المائة من ميزانية قطاع الطرق، في إشارة إلى انتقال السياسة العمومية من منطق التوسع في الإنجاز إلى منطق الحفاظ على الأصول وإطالة عمرها الافتراضي.
كما أوضح أن الوزارة ستباشر ابتداء من سنة 2026 تنفيذ تدخلات موجهة نحو المقاطع الطرقية التي تسجل أعلى معدلات حوادث السير، بهدف تحسين شروط السلامة الطرقية وتعزيز انسيابية التنقل وضمان استدامة المنشآت.
وعلى مستوى البنية الشبكية، يواصل المغرب توسيع شبكة الطرق السريعة التي بلغت مع نهاية سنة 2025 حوالي 2300 كيلومتر، بعد إضافة 819 كيلومتراً خلال أربع سنوات فقط، ما يعكس حجم الاستثمارات الموجهة للقطاع وتزايد أهميته في دعم الربط الترابي.
ومن بين المشاريع البارزة الجارية، يبرز الطريق السريع الرابط بين تزنيت والداخلة، باعتباره مشروعاً استراتيجياً لتعزيز الارتباط بين الأقاليم الجنوبية وباقي جهات المملكة، إلى جانب الطريق السريع فاس–تاونات، والطريق المداري الشمالي الشرقي لأكادير، الذي يُنتظر أن يخفف الضغط المروري داخل المدينة ويحسن تدفق الحركة بين محاورها الاقتصادية.
أما على مستوى الطرق السيارة، فقد بلغت الشبكة الوطنية حوالي 1800 كيلومتر، مع استمرار تنفيذ مشاريع توسعة جديدة، أبرزها الطريق السيار جرسيف–الناظور بغلاف مالي يناهز 7.9 مليارات درهم، في إطار تعزيز الربط بميناء الناظور غرب المتوسط ودعم تنافسية الجهة الشرقية.
ولا تقف هذه الدينامية عند المشاريع الجارية فقط، بل تمتد إلى رؤية استراتيجية تستهدف رفع طول شبكة الطرق السيارة إلى نحو 3000 كيلومتر خلال السنوات المقبلة، بما ينسجم مع توجهات الدولة الرامية إلى تعزيز التكامل الترابي وتحسين تنافسية الاقتصاد الوطني.



