القواعد البيئية الأوروبية تمنح طنجة المتوسط أفضلية جديدة أمام الجزيرة الخضراء

تدخل المنافسة المينائية في غرب البحر الأبيض المتوسط مرحلة جديدة، لا ترتبط فقط بقدرة الموانئ على استقطاب حركة الحاويات وتوفير الخدمات اللوجستية، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بكلفة الالتزام بالقواعد البيئية الأوروبية.
وفي هذا السياق، يجد ميناء الجزيرة الخضراء الإسباني نفسه أمام تحديات متزايدة، في وقت يواصل فيه ميناء طنجة المتوسط توسيع حضوره، بينما يستعد المغرب لإدخال ميناء الناظور غرب المتوسط إلى الخدمة التجارية.
وتكشف أرقام حركة الحاويات خلال سنة 2025 عن اتساع الفارق بين الضفتين. فقد عالج ميناء الجزيرة الخضراء نحو 4.73 ملايين حاوية مكافئة لعشرين قدماً، مسجلاً نمواً محدوداً لم يتجاوز 0.5 في المائة، في حين تمكن طنجة المتوسط من معالجة حوالي 11.1 مليون حاوية، بارتفاع بلغ 8.4 في المائة.
وبذلك أصبح حجم النشاط المسجل في الميناء المغربي يتجاوز ضعفي نظيره الإسباني، في مؤشر يعكس التحول المتسارع في موازين القوة داخل خريطة الموانئ بالمنطقة، خصوصاً في مجال إعادة الشحن وربط الخطوط البحرية بين أوروبا وإفريقيا وآسيا.
وتتزامن هذه الدينامية مع دخول القطاع البحري الأوروبي مرحلة أكثر تشدداً في مجال احتساب تكلفة الانبعاثات الكربونية. فمنذ يناير 2024، أصبحت شركات النقل البحري مطالبة تدريجياً بتغطية الانبعاثات الخاضعة للتحقق ضمن نظام تداول الانبعاثات الأوروبي، بعدما حددت النسبة في 40 في المائة خلال السنة الأولى و70 في المائة في 2025، قبل أن تصل إلى 100 في المائة خلال 2026.
ويطبق النظام على السفن التي تبلغ حمولتها الإجمالية 5 آلاف طن فما فوق، مع احتساب كامل الانبعاثات الناتجة عن الرحلات بين الموانئ الأوروبية، ونصف الانبعاثات المرتبطة بالرحلات التي تربط موانئ الاتحاد الأوروبي بموانئ دول خارج التكتل.
وهذه المعادلة الجديدة لا تفرض فقط التزامات بيئية إضافية على شركات الملاحة، وإنما تفتح أيضاً نقاشاً حول تأثير ارتفاع كلفة الانبعاثات على اختيارات شركات الشحن ومساراتها، وعلى قدرة الموانئ الأوروبية على الحفاظ على تنافسيتها أمام موانئ تقع خارج الاتحاد الأوروبي وقريبة جغرافياً من خطوط التجارة الدولية.
وفي محاولة للحد من مخاطر تغيير مسارات إعادة الشحن بهدف تفادي جزء من تكاليف الانبعاثات، أدرجت المفوضية الأوروبية ميناء طنجة المتوسط، إلى جانب ميناء شرق بورسعيد المصري، ضمن قائمة الموانئ المجاورة المعنية بإعادة شحن الحاويات، بما يحول دون استغلال التوقفات التقنية بهذه الموانئ للتحايل على قواعد احتساب الانبعاثات.
ورغم ذلك، فإن إدراج طنجة المتوسط ضمن هذه القائمة لم يوقف مسار نموه، إذ يواصل الميناء المغربي تعزيز موقعه كمركز إقليمي لإعادة الشحن والخدمات اللوجستية، مستفيداً من موقعه الاستراتيجي عند ملتقى الطرق البحرية بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط وقربه من أحد أهم الممرات التجارية العالمية.
ولا يبدو أن المنافسة ستتوقف عند طنجة المتوسط، إذ يستعد المغرب لإضافة ميناء ضخم جديد إلى منظومته المينائية عبر مشروع الناظور غرب المتوسط، الذي ينتظر أن يبدأ نشاطه التجاري بشكل تدريجي خلال الربع الأخير من سنة 2026.
ويقع المركب المينائي الجديد بخليج بطوية على الواجهة المتوسطية للمملكة، في موقع استراتيجي يتيح له الارتباط بمسارات الملاحة التي تصل شرق المتوسط بغربه وبالمحيط الأطلسي، وهو ما يمنحه مؤهلات لدخول سوق الشحن وإعادة الشحن والمبادلات التجارية الإقليمية.
ومن المرتقب أن تبدأ المرحلة الأولى من الاستغلال بالمحطة الشرقية للحاويات، على أن تتوسع العمليات خلال سنة 2027 لتشمل المحطة الثانية للحاويات، إضافة إلى محطات مخصصة للبضائع والطاقة والمواد الصلبة.
ويحمل المشروع أيضاً أبعاداً استثمارية ولوجستية كبيرة، بعدما بلغت قيمة الاستثمارات العمومية والخاصة المرتبطة به نحو 51 مليار درهم، وفق معطيات رسمية صدرت في يناير الماضي.
ومن المنتظر أن يوفر الميناء، عند دخوله مرحلة التشغيل، قدرة سنوية تصل إلى خمسة ملايين حاوية، فضلاً عن طاقة لمعالجة نحو 35 مليون طن من المواد السائلة والصلبة.
وتضع هذه التطورات الموانئ الأوروبية المطلة على الضفة الشمالية للمتوسط أمام واقع تنافسي جديد، خاصة أن المفوضية الأوروبية سبق أن نبهت إلى النمو السريع للقدرات المينائية في جنوب المتوسط، مشيرة بشكل خاص إلى مشروع الناظور غرب المتوسط، ومؤكدة أهمية متابعة تأثير هذه الاستثمارات على تنافسية الموانئ الأوروبية.
ومع ذلك، لا تزال المفوضية الأوروبية تؤكد عدم وجود أدلة واضحة في الوقت الراهن تسمح بالقول إن نظام تداول الانبعاثات أدى فعلياً إلى تحويل الاستثمارات من الموانئ الأوروبية نحو منافسين خارج الاتحاد الأوروبي.
لكن تطور الأرقام وحجم الاستثمارات الجارية في المغرب يفرضان قراءة أوسع للمشهد. فبينما يواجه ميناء الجزيرة الخضراء ارتفاعاً في كلفة الامتثال للقواعد البيئية الأوروبية ونمواً محدوداً في حركة الحاويات، يواصل طنجة المتوسط توسيع نشاطه، ويقترب الناظور غرب المتوسط من دخول المنافسة بطاقة استيعابية كبيرة.
وبذلك، قد تتحول القواعد البيئية الأوروبية، التي وضعت أساساً لخفض انبعاثات النقل البحري، إلى عامل غير مباشر يعيد رسم حسابات شركات الملاحة والموانئ في المنطقة.
وفي حال استمرار ارتفاع تكاليف الانبعاثات داخل الاتحاد الأوروبي بالتوازي مع توسع القدرات المينائية المغربية، فإن الفارق في الكلفة والموقع والقدرة التشغيلية قد يصبح عنصراً إضافياً في قرارات شركات الشحن بشأن موانئ العبور وإعادة الشحن.




