التجارة المغربية الإسبانية تتجاوز 22 مليار يورو وتعمّق شراكة البلدين الاقتصادية

لم تعد العلاقات الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا تقتصر على حركة السلع عبر مضيق جبل طارق، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شبكة واسعة من المصالح المشتركة تشمل الصناعة والاستثمار وسلاسل التوريد والسياحة، وهو ما تؤكده أرقام المبادلات التجارية التي تجاوزت 22.7 مليار يورو خلال 2025.
وأظهرت بيانات نقلتها وكالة الأنباء الإسبانية «إفي» أن التجارة الثنائية بين البلدين بلغت نحو 22 ملياراً و757 مليون يورو العام الماضي، في وقت عززت فيه الشركات الإسبانية حضورها داخل السوق المغربية، ولا سيما في الصناعات المرتبطة بالسيارات والنسيج ومكونات الإنتاج.
ورغم هذا التشابك المتزايد، لا تزال الكفة التجارية تميل تاريخياً لصالح إسبانيا، بعدما شهدت المبادلات نمواً سريعاً خلال السنوات الماضية قبل أن تدخل وتيرة الزيادة مرحلة أكثر اعتدالاً منذ 2018.
وشهد عام 2025 تغيراً في اتجاهات التجارة، مع انخفاض الصادرات الإسبانية إلى المغرب بنسبة 4.1%، متأثرة بشكل خاص بتراجع مبيعات الوقود، بينما ارتفعت الواردات الإسبانية من المملكة بنحو 6%، في انعكاس لتوسع القدرات الإنتاجية المغربية وزيادة حضور المنتجات المصنعة محلياً في الأسواق الأوروبية.
وتحتفظ إسبانيا بموقع الصدارة باعتبارها الشريك التجاري الثنائي الأهم للمغرب، سواء على مستوى الصادرات أو الواردات، بينما يظل الاتحاد الأوروبي بشكل عام أكبر شريك تجاري للمملكة.
ولم يتوقف النشاط التجاري عند مستويات 2025، إذ أظهرت بيانات النصف الأول من 2026 استمرار نمو المبادلات. فقد ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى المغرب بنسبة 3.5% لتصل إلى 6.42 مليار يورو، فيما صعدت الواردات الإسبانية من المملكة بنسبة 4.1% إلى حوالي 5.79 مليار يورو.
ويشكل قطاع السيارات أحد أبرز المجالات التي تكشف عمق الترابط الاقتصادي بين البلدين، بعدما تمكن المغرب من بناء قاعدة صناعية متقدمة مرتبطة بشكل وثيق بسلاسل الإنتاج الأوروبية.
ويستفيد المستثمرون الإسبان من الموقع الجغرافي للمغرب وقربه من الموانئ والأسواق الأوروبية، بينما تتيح الاستثمارات والشراكات الصناعية للمصنعين المغاربة الوصول إلى شبكة واسعة من الموردين والعملاء داخل القارة الأوروبية.
وتحتضن المملكة عدداً متزايداً من الشركات العاملة في صناعة مكونات السيارات، في وقت أسهمت فيه استثمارات مجموعات كبرى مثل «رينو» و«ستيلانتيس» في تعزيز موقع المغرب كمركز إقليمي لإنتاج السيارات ومكوناتها وتصديرها إلى الخارج.
ويمنح القرب الجغرافي بين البلدين الشركات الإسبانية ميزة إضافية في مجال الإمداد، خصوصاً بالنسبة للقطاعات التي تحتاج إلى عمليات تسليم سريعة ومنتظمة، وهو عامل يعزز قدرة الموردين الإسبان على المنافسة داخل المنظومة الصناعية المغربية.
ويمتد التكامل الاقتصادي إلى قطاع النسيج، الذي يمثل أحد القطاعات الصناعية المغربية المرتبطة بشكل وثيق بالسوق الأوروبية.
وتعتمد الشركات العاملة في هذا المجال على المغرب باعتباره قاعدة إنتاج قريبة من الأسواق الأوروبية، بما يسمح بتقليص آجال النقل والاستجابة بسرعة للتغيرات في الطلب، خصوصاً في صناعة الملابس الجاهزة.
وفي هذا الإطار، تبرز مجموعة «إنديتكس» الإسبانية، التي ترتبط بمنظومة من المصانع والموردين داخل المغرب، ما يجعل المملكة إحدى نقاط الإنتاج المهمة ضمن شبكة التوريد العالمية للمجموعة.
ويعكس توسع هذا النشاط انتقال العلاقات التجارية بين البلدين إلى مستوى أكثر تعقيداً، حيث أصبح التعاون قائماً على التكامل بين مراحل الإنتاج بدلاً من اقتصاره على عمليات الاستيراد والتصدير التقليدية.
ويمنح هذا الترابط الصناعي والتجاري العلاقات المغربية الإسبانية أهمية تتجاوز الأرقام المسجلة في المبادلات السنوية، إذ باتت مصالح الشركات وسلاسل الإنتاج مرتبطة بدرجة متزايدة باستقرار العلاقات بين البلدين.
ويرى محللون أن حدوث توتر اقتصادي طويل الأمد قد يفرض تكاليف على الجانبين، غير أن طبيعة التأثير ستكون مختلفة تبعاً لقدرة كل اقتصاد على امتصاص الصدمات وتنويع الأسواق.
وقد تواجه الشركات الإسبانية في هذه الحالة خسارة جزء من السوق المغربية، في حين قد يتعرض الاقتصاد المغربي لضغوط أكبر في بعض القطاعات التي ترتبط بالسوق الأوروبية أو تعتمد على الموردين وشبكات التوزيع الإسبانية.
كما أن أي اضطراب مستمر في حركة التجارة أو الاستثمارات يمكن أن يؤثر في قرارات المستثمرين، خصوصاً في الصناعات التصديرية التي بنت جزءاً من استراتيجيتها على الموقع الجغرافي للمغرب وقربه من أوروبا.
في المقابل، عمل المغرب خلال السنوات الأخيرة على توسيع قاعدة شركائه التجاريين وتعزيز انفتاحه على الأسواق الأفريقية والأوروبية والآسيوية، بما يمنحه هامشاً أكبر لتنويع مصادر الطلب والاستثمار.
ولا تقتصر الروابط بين البلدين على التجارة والصناعة، إذ يمثل القطاع السياحي أحد أهم أوجه التعاون الاقتصادي المتنامي.
وتأتي إسبانيا ضمن أبرز الأسواق المصدرة للسياح إلى المغرب، بعدما استقبلت المملكة نحو 4.6 مليون زائر إسباني خلال 2025، بزيادة بلغت 12% على أساس سنوي.
ويشكل هذا التدفق السياحي مورداً مهماً للاقتصاد المغربي، كما يفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات الإسبانية في قطاعات الفنادق والسياحة والهندسة والخدمات المرتبطة بالضيافة.
ومع استمرار توسع البنية السياحية المغربية والاستعداد لاستحقاقات كبرى خلال السنوات المقبلة، تبدو فرص التعاون بين الشركات المغربية والإسبانية مرشحة لمزيد من النمو.
وفي المحصلة، تكشف أرقام التجارة والاستثمار والسياحة أن العلاقات الاقتصادية بين الرباط ومدريد دخلت مرحلة جديدة تقوم على تشابك المصالح وتكامل سلاسل الإنتاج، بما يجعل إسبانيا شريكاً محورياً للمغرب في أوروبا، ويمنح المملكة في المقابل دوراً متزايداً داخل المنظومة الصناعية والتجارية الأوروبية.




