الاقتصادية

اختلال غير مسبوق في سوق النحاس يعيد تشكيل اقتصاد المصاهر عالميًا

تشهد سوق النحاس العالمية تحولًا لافتًا يعكس اختلالًا عميقًا بين العرض والطلب، بعدما اقتربت الأسعار الفورية للمعدن من مستوياتها التاريخية، في وقت تواجه فيه المصاهر تراجعًا حادًا في رسوم المعالجة والتكرير، ما أدى إلى ضغوط غير مسبوقة على نموذج الربحية التقليدي في هذا القطاع.

وفي ظل هذا الوضع، باتت الشركات المتخصصة في تحويل مركزات النحاس المستخرجة من المناجم إلى معدن مكرر تعتمد بشكل متزايد على العوائد الناتجة عن المنتجات الثانوية لعملية الإنتاج، لضمان استمرارية نشاطها والحفاظ على توازنها المالي.

ولم يعد النحاس وحده هو محور الربحية، إذ أصبحت المعادن المصاحبة مثل الذهب والفضة، إضافة إلى حمض الكبريتيك، عناصر أساسية تعادل في أهميتها المعدن الرئيسي نفسه داخل هيكل الأرباح.

ويعود هذا التحول الجذري بالأساس إلى التوسع السريع في قدرات الصهر داخل الصين، الذي فاق بكثير نمو الإمدادات القادمة من المناجم العالمية، ما خلق فجوة واضحة بين الطاقة الإنتاجية للمصاهر وتوفر المواد الخام. ورغم الحديث المتكرر عن تقليص بعض المصاهر الصينية لنشاطها، فإن الإنتاج الصيني من النحاس المكرر يواصل تسجيل مستويات مرتفعة، ما يبقي الضغط قائمًا على سوق المركزات عالميًا.

في المقابل، تبدو آفاق عودة التوازن إلى السوق محدودة في المدى القريب، في ظل القيود التي تواجه توسع إنتاج المناجم، سواء بسبب الكلفة أو التحديات الجيولوجية أو الزمن الطويل اللازم لتطوير مشاريع جديدة. هذا الخلل الهيكلي أعاد رسم خريطة تدفقات النحاس عالميًا، وفرض واقعًا جديدًا على المصاهر.

شهدت رسوم المعالجة والتكرير، التي تمثل أحد الأعمدة الأساسية لإيرادات المصاهر، انهيارًا حادًا خلال فترة قصيرة. فقد تراجعت من مستويات تقليدية بلغت نحو 80 دولارًا للطن المتري و8 سنتات للرطل في عام 2024، إلى حوالي 21.25 دولارًا للطن و2.125 سنت للرطل في 2025، قبل أن تهبط هذا العام إلى مستويات تقارب الصفر.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تحولت الرسوم الفورية في بعض الصفقات إلى مستويات سلبية خلال الأشهر الماضية، ما يعني أن المصاهر أصبحت تدفع فعليًا لشركات التعدين مقابل الحصول على مركزات النحاس، في انعكاس غير معتاد لموازين القوة داخل السوق.

في هذا السياق، تراجعت أهمية رسوم المعالجة المباشرة لصالح مصادر دخل بديلة، أبرزها القيمة المستخرجة من المعادن الثمينة داخل المركزات، إضافة إلى العائدات الناتجة عن تحويل الكبريت إلى حمض الكبريتيك، الذي أصبح عنصرًا مؤثرًا في معادلة الربحية، خاصة مع اضطرابات سلاسل الإمداد في بعض المناطق الجيوسياسية الحساسة.

كما اتجهت بعض المصاهر، خصوصًا في الصين، إلى معالجة كميات أكبر من خام البيريت، المعروف باسم “ذهب المغفلين”، بهدف الاستفادة من محتواه المرتفع من الكبريت، في محاولة لتعويض تآكل الإيرادات التقليدية.

وتشير تقديرات شركة الاستشارات “سي آر يو” إلى أن رسوم المعالجة كانت تمثل نحو 39% من إجمالي دخل المصاهر في عام 2018، بينما تغيرت تركيبة الإيرادات بشكل جذري في العام الماضي، حيث أصبحت العوائد من “المعدن المجاني” والمنتجات الثانوية، وخاصة الكبريت، تشكل ما بين 50% و53% من الدخل، مقابل 25% إلى 27% من الإتاوات المرتبطة بالمعادن الثانوية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى