TSMC.. كيف أصبحت الشركة التايوانية حجر الأساس في صناعة الرقائق العالمية؟

اليوم، يصعب الحديث عن الهواتف الذكية أو الحوسبة السحابية أو تطبيقات الذكاء الاصطناعي دون المرور باسم TSMC. فالشركة التايوانية تقف خلف تصنيع الشرائح الإلكترونية الأكثر تطورًا التي تعتمد عليها كبرى شركات التكنولوجيا، بعدما نجحت في بناء نموذج أعمال غيّر قواعد المنافسة في واحدة من أكثر الصناعات تعقيدًا واستراتيجية في العالم.
ولم يكن الوصول إلى هذه المكانة وليد الصدفة، بل جاء نتيجة رؤية سبقت عصرها، عندما راهنت الشركة على التخصص في التصنيع دون الدخول في منافسة مع عملائها، وهو خيار بدا محفوفًا بالمخاطر في وقت كانت الشركات الكبرى ترى أن النجاح لا يتحقق إلا بامتلاك التصميم والإنتاج معًا.
في عام 1988، زار أندرو جروف، الرئيس التنفيذي لشركة إنتل آنذاك، منشآت TSMC في تايوان، في وقت كانت فيه شركات التكنولوجيا الأمريكية تنظر بحذر إلى نموذج “التصنيع للغير”. وأجرى مهندسو إنتل أكثر من 200 اختبار فني وتشغيلي وأمني قبل اعتماد الشركة التايوانية كشريك صناعي لإنتاج رقائقها.
ولم تكن تلك الموافقة مجرد اتفاقية تصنيع، بل شكلت نقطة انطلاق لتحول جذري في صناعة أشباه الموصلات، بعدما أثبتت TSMC أن شركة لا تطور منتجاتها الخاصة يمكنها أن تصبح العمود الفقري للصناعة العالمية.
وبحلول عام 2025، حققت الشركة أفضل نتائج مالية في تاريخها، بإيرادات بلغت 122.5 مليار دولار، مرتفعة بنسبة 36.1% مقارنة بالعام السابق.
يقف خلف هذا الإنجاز موريس تشانغ، المهندس الذي وُلد في الصين عام 1931 قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة، حيث درس الهندسة، ثم أمضى أكثر من 25 عامًا في شركة تكساس إنسترومنتس، مكتسبًا خبرة واسعة في تطوير وتصنيع أشباه الموصلات.
وخلال تلك الفترة، أدرك تشانغ أن ارتفاع تكاليف إنشاء مصانع الرقائق سيجعل من الصعب على معظم الشركات مواصلة الجمع بين التصميم والإنتاج، وأن الصناعة بحاجة إلى نموذج جديد يسمح للمبتكرين بالتركيز على تطوير الشرائح دون تحمل أعباء بناء المصانع.
وعندما طلبت منه الحكومة التايوانية عام 1985 قيادة مشروع تطوير صناعة أشباه الموصلات، وجد الفرصة لتجسيد هذه الرؤية.
وبعد عامين، تأسست Taiwan Semiconductor Manufacturing Company (TSMC) بدعم من الحكومة التايوانية وشركة فيليبس الهولندية، لتصبح أول شركة في العالم تعتمد نموذج التصنيع لصالح الغير دون منافسة عملائها.

في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، كانت شركات مثل إنتل وموتورولا وتكساس إنسترومنتس تعتمد نموذجًا متكاملًا يجمع بين تصميم الرقائق وإنتاجها داخل مصانعها الخاصة.
أما TSMC فاختارت مسارًا مختلفًا، إذ قررت أن تكرس مواردها بالكامل للتصنيع، دون تطوير أي منتج يحمل علامتها التجارية.
ورغم أن تصنيع الرقائق يعد من أكثر الصناعات كثافة في رأس المال، ويتطلب استثمارات بعشرات المليارات من الدولارات مع تحديثات مستمرة للتكنولوجيا، فإن الشركة اعتبرت أن التخصص سيمنحها ميزة تنافسية يصعب تقليدها.
وتعكس استثماراتها الحالية حجم هذا الرهان، إذ تعمل على تنفيذ مشروع بقيمة 165 مليار دولار في ولاية أريزونا الأمريكية، يضم ستة مصانع متطورة ومنشآت للتغليف المتقدم ومركزًا للأبحاث، بينما تستثمر سامسونج إلكترونيكس أكثر من 37 مليار دولار في تكساس، وتواصل إنتل تطوير مشروعها الذي تتجاوز قيمته 28 مليار دولار في ولاية أوهايو.
لم يكن تفوق TSMC قائمًا على التكنولوجيا فقط، بل على التزامها الكامل بالحياد.
فالشركة امتنعت منذ تأسيسها عن تطوير أو بيع رقائق تحمل علامتها التجارية، ما منح عملاءها ثقة كاملة في مشاركة أكثر تصاميمهم وتقنياتهم حساسية، دون الخشية من تحولها إلى منافس.
وتؤكد الشركة في تقاريرها السنوية أن نجاحها يعتمد على نجاح عملائها، وهو المبدأ الذي أصبح أساس علاقتها مع كبرى شركات التكنولوجيا.
وبحلول عام 2025، كانت تخدم 534 عميلًا، وأنتجت أكثر من 12,680 منتجًا باستخدام 305 تقنيات تصنيع مختلفة.
كما أسهم هذا النموذج في ازدهار شركات تصميم الرقائق التي لا تمتلك مصانع إنتاج، مثل إنفيديا وكوالكوم وإيه إم دي وميدياتك.
ووفقًا لبيانات TrendForce، ارتفعت إيرادات أكبر عشر شركات من هذا القطاع بنسبة 44% خلال عام 2025 لتصل إلى 359.4 مليار دولار، بقيادة إنفيديا.

مع الانفجار العالمي في تطبيقات الذكاء الاصطناعي، دخلت TSMC مرحلة جديدة من النمو.
فالطلب المتزايد على المعالجات المتقدمة، خصوصًا تلك التي تطورها إنفيديا، دفع الشركة إلى تشغيل خطوط إنتاجها بكامل طاقتها لتصنيع رقائق 3 نانومتر، مع الاستعداد لإطلاق الإنتاج التجاري لتقنية 2 نانومتر.
وأكدت الإدارة التنفيذية للشركة أن الطلب العالمي على رقائق الذكاء الاصطناعي لا يزال يفوق القدرة الإنتاجية المتاحة، ما دفعها إلى تسريع توسعاتها في تايوان، وإنشاء مصانع جديدة في الولايات المتحدة واليابان وألمانيا.
وخلال النصف الأول من العام، ارتفعت إيرادات الشركة بنسبة 35.6% إلى 74 مليار دولار، بينما قفز صافي أرباحها بنسبة 66% ليصل إلى 39.5 مليار دولار.
بحسب بيانات TrendForce، استحوذت TSMC في عام 2025 على نحو 69.9% من سوق خدمات تصنيع الرقائق عالميًا، مقابل 7.2% فقط لمنافستها الأقرب سامسونج إلكترونيكس، ما يعكس الفارق الكبير بين الشركة وبقية المنافسين.
وتدير الشركة اليوم شبكة عالمية من المصانع ومراكز التغليف والاختبار، يعمل فيها أكثر من 80 ألف موظف، بينما تنتج الرقائق التي تعتمد عليها الهواتف الذكية، ومراكز البيانات، والسيارات الذكية، والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
ما كان يُنظر إليه قبل أربعة عقود على أنه فكرة غير قابلة للاستمرار، تحول اليوم إلى النموذج المهيمن على صناعة أشباه الموصلات. فقد أثبتت TSMC أن التخصص، والحياد، والاستثمار طويل الأجل يمكن أن تصنع شركة أصبحت حلقة الوصل الأساسية بين مصممي الرقائق وأكبر الابتكارات التقنية في العالم.
ومع استمرار سباق الدول والشركات لتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبدو TSMC اليوم في موقع لا يقتصر على تصنيع الرقائق فحسب، بل يمتد إلى لعب دور محوري في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي وصناعة التكنولوجيا خلال العقود المقبلة.




