العبء الضريبي في المغرب.. هل يحصل المواطن على العائد الذي يستحقه؟

لم يعد النقاش حول الضرائب في المغرب مرتبطاً فقط بحجم الموارد التي تحتاجها الدولة لتمويل ميزانيتها، بل أصبح يتصل بشكل مباشر بقدرة الأسر على مواجهة تكاليف المعيشة، وبمدى شعور المواطن بأن ما يؤديه من ضرائب ينعكس فعلياً على جودة الخدمات العمومية التي يستفيد منها.
ومع اقتراب الانتخابات التشريعية المرتقبة في شتنبر 2026، يكتسب هذا الملف أهمية إضافية، خصوصاً في ظل تصاعد المطالب بإعادة النظر في طريقة توزيع العبء الضريبي بين مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية، وعدم حصر النقاش في الإجراءات الظرفية أو الوعود الانتخابية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي كريم وهبان أن المنظومة الضريبية المغربية وصلت إلى وضع وصفه بـ”الكارثي”، محذراً من حجم العبء الذي تتحمله فئة الأجراء والموظفين، باعتبارهم من أبرز الفئات التي تؤدي الضرائب بشكل مباشر ومنتظم.
وأوضح وهبان أن الاقتطاع يبدأ من المنبع، عبر الضريبة على الدخل التي تخصم من أجر الموظف أو الأجير قبل أن يصل إلى حسابه البنكي، قبل أن يخضع الجزء المتبقي من دخله للضريبة على القيمة المضافة بمجرد إنفاقه على السلع والخدمات.
وبحسب المعطيات والحسابات التي يستند إليها الخبير، فإن مجموع ما يمكن أن تتحمله دخول الأجراء والموظفين من ضرائب يصل إلى نحو 49.6 في المائة، وهو مستوى يعتبره مرتفعاً، ويطرح، في نظره، سؤالاً حول مدى التوازن بين حجم المساهمة الضريبية والعائد الذي يحصل عليه المواطن في المقابل.
غير أن الإشكال، وفق وهبان، لا يكمن بالضرورة في ارتفاع الضرائب في حد ذاته، إذ يمكن تبرير ضغط ضريبي مرتفع عندما تكون الأموال المحصلة موجهة إلى توفير خدمات عمومية فعالة وعالية الجودة، بما يضمن للمواطنين التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والنقل وغيرها من الخدمات الأساسية.
لكن المعادلة تصبح أكثر تعقيداً عندما يجد المواطن نفسه مضطراً إلى أداء تكاليف إضافية من ماله الخاص للحصول على خدمات أساسية، رغم مساهمته في تمويلها من خلال الضرائب.
ويبرز التعليم كأحد أبرز المجالات التي تظهر فيها هذه المفارقة، إذ تضطر أسر مغربية إلى اللجوء إلى مؤسسات التعليم الخاص وتحمل مصاريف شهرية وسنوية مرتفعة، سعياً إلى توفير ظروف تعليمية أفضل لأبنائها، وهو ما يعني بالنسبة إلى عدد من الأسر تحمل عبء مالي إضافي إلى جانب الالتزامات الضريبية.
ولا يختلف الوضع كثيراً في قطاع الصحة، حيث يؤدي الضغط الذي تواجهه المؤسسات الصحية العمومية إلى دفع بعض المواطنين نحو المصحات الخاصة، وما يرافق ذلك من تكاليف علاج وفحوصات وأدوية قد تشكل عبئاً ثقيلاً على ميزانيات الأسر.
ويرى وهبان أن هذه الوضعية تؤدي عملياً إلى ما يشبه الضغط المزدوج على القدرة الشرائية؛ إذ يفقد المواطن جزءاً من دخله عبر الضرائب، ثم يضطر إلى تخصيص جزء آخر منه لتمويل خدمات أساسية يرى أنها يفترض أن تكون متاحة بجودة أكبر داخل القطاع العمومي.
وتنعكس هذه المعادلة بشكل أكبر على الطبقة المتوسطة، التي تجد نفسها بين ارتفاع تكاليف الحياة وتزايد النفقات المرتبطة بالتعليم والصحة والسكن والنقل، في وقت تظل فيه هوامشها المالية محدودة مقارنة بارتفاع الالتزامات الأسرية.
ومن هنا، يتحول الإصلاح الضريبي من مجرد ورش تقني يتعلق بالنسب والشرائح والوعاء الضريبي إلى قضية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية، ترتبط بإعادة تحديد العلاقة بين المواطن والدولة، وبكيفية توزيع الأعباء والثروة داخل المجتمع.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نقاش أكثر جرأة حول مستقبل النظام الضريبي، بعيداً عن المقاربة التي تقوم على زيادة الاقتطاعات كلما ارتفعت حاجيات المالية العمومية، مشدداً على ضرورة بناء منظومة تقوم على العدالة والإنصاف والشفافية.
ولا ينبغي، وفق هذا التصور، أن ينحصر الإصلاح في مراجعة نسب الضرائب أو توسيع قاعدة الملزمين، وإنما يجب أن يترافق مع تحسين ملموس في الخدمات العمومية، حتى يشعر المواطن بأن مساهمته في تمويل الدولة تعود عليه وعلى أسرته بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما يطرح هذا النقاش مسألة توسيع العدالة بين مختلف مصادر الدخل والأنشطة الاقتصادية، بما يضمن توزيعاً أكثر توازناً للعبء الضريبي، ويحد من شعور بعض الفئات بأنها تتحمل الحصة الأكبر من تمويل المالية العمومية.
ومع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، تبدو قضية الضرائب مرشحة لتكون جزءاً من النقاش حول النموذج الاقتصادي والاجتماعي الذي تقترحه الأحزاب للمرحلة المقبلة. فالمواطن لا يبحث فقط عن تخفيض الضرائب، وإنما عن معادلة أكثر وضوحاً بين ما يؤديه وما يحصل عليه في المقابل.
وبذلك، فإن التحدي الحقيقي أمام الإصلاح الضريبي لا يتمثل فقط في زيادة مداخيل الدولة، بل في تحقيق توازن بين تمويل المالية العمومية، حماية القدرة الشرائية، وضمان خدمات عمومية ذات جودة.
وفي نهاية المطاف، تظل فعالية أي منظومة ضريبية مرتبطة بمدى قبول المجتمع لها. وكلما لمس المواطن أن الضريبة تتحول إلى تعليم أفضل، وصحة أكثر جودة، وخدمات عمومية أكثر كفاءة وحماية اجتماعية أقوى، أصبح أداؤها جزءاً من عقد اجتماعي متوازن، بدل أن ينظر إليها باعتبارها مجرد اقتطاع إضافي من دخله.




