الأسهمالاقتصادية

فقدت 570 مليار دولار في شهر.. “مايكروسوفت” تواجه أعنف موجة تقلبات منذ عقدين

في الوقت الذي كانت فيه “مايكروسوفت” تُصنَّف لسنوات باعتبارها أحد أكثر الأسهم استقرارًا في وول ستريت، مدعومة بصلابة مركزها المالي وقوة نموذج أعمالها في البرمجيات والحوسبة السحابية، فإن موجة الذكاء الاصطناعي قلبت هذه المعادلة، لتجد الشركة نفسها أمام مرحلة من التقلبات والضغوط هي الأشد منذ أكثر من عشرين عامًا.

وخلال شهر يونيو فقط، سجل السهم تراجعًا بنحو 17% ليهبط إلى مستوى 370 دولارًا، متجهًا نحو أسوأ أداء شهري له منذ ديسمبر 2000، في إشارة واضحة إلى تصاعد المخاوف لدى المستثمرين بشأن جدوى وتسارع العوائد المرتبطة باستثمارات الذكاء الاصطناعي الضخمة.

وقد انعكس هذا الأداء السلبي بشكل مباشر على القيمة السوقية للشركة، التي فقدت ما يقارب 570 مليار دولار خلال الشهر ذاته، لتستقر عند نحو 2.766 تريليون دولار، مقارنة بمستويات كانت تقترب من 4 تريليونات دولار قبل عام واحد فقط، ما يعكس تحولًا ملحوظًا في تقييمات السوق وتوقعات النمو المستقبلية.

ويُرجع محللون، من بينهم إيشان ماجومدار في “بابتيستا ريسيرش”، جزءًا من هذا الضغط إلى الارتفاع الكبير في الإنفاق الرأسمالي، إذ يُتوقع أن يقفز بنسبة 60% على أساس سنوي ليصل إلى 190 مليار دولار في السنة المالية 2026، بالتزامن مع تراجع التدفقات النقدية الحرة بنحو 10%، وهو ما يثير تساؤلات حول قدرة الشركة على الحفاظ على التوازن بين النمو والربحية.

وتبرز الإشكالية الأساسية في أن جزءًا كبيرًا من هذه الاستثمارات يتركز في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، وهي مجالات تتطلب رؤوس أموال ضخمة، بينما لا تزال العوائد المتوقعة منها غير واضحة أو مؤجلة، ما يضغط على هوامش الربح في المدى القريب.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات “زاكس” إلى احتمال تراجع هوامش ربحية خدمات الحوسبة السحابية لدى مايكروسوفت بنحو 4% لتصل إلى 64% خلال الربع المالي الرابع، نتيجة ارتفاع تكاليف توسيع القدرات الحاسوبية.

ولا تقتصر المخاوف على الجانب الاستثماري للبنية التحتية فقط، بل تمتد إلى نموذج أعمال البرمجيات كخدمة (SaaS)، حيث تُعد “مايكروسوفت” من أبرز اللاعبين عبر منتجات مثل “أوفيس 365″ و”دايناميكس”.

إذ يخشى المستثمرون أن يؤدي التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إعادة تشكيل طريقة استخدام هذه التطبيقات أو حتى تقليص الاعتماد عليها بالشكل التقليدي.

وتأتي هذه المخاوف في سياق أوسع يشهده قطاع البرمجيات، حيث تراجع مؤشر “زاكس” لأسهم برمجيات الحاسوب بنسبة 24.5% منذ بداية العام، ما يعكس ضغوطًا هيكلية تطال القطاع بأكمله وليس شركة واحدة فقط.

ورغم هذا المشهد الضاغط، لا تزال بعض المؤسسات المالية ترى أن الصورة بعيدة المدى أكثر توازنًا. فقد أكد “دويتشه بنك” ثقته في قدرة مايكروسوفت على الحفاظ على هوامش ربح قوية ونمو مستدام، مع الإبقاء على توصية الشراء وتحديد سعر مستهدف عند 550 دولارًا للسهم.

وفي الاتجاه المقابل، زاد المستثمر الشهير مايكل بَري، المعروف برهانه الناجح ضد أزمة الرهن العقاري عام 2008، من رهاناته على السهم عبر عقود خيارات طويلة الأجل تمتد حتى ديسمبر 2028، بأسعار تقارب 700 دولار، ما يعكس قناعة بإمكانية تعافٍ قوي على المدى البعيد رغم الضغوط الحالية.

كما يرى بعض المستثمرين، مثل كيث فيتز-جيرالد من مجموعة “فيتز-جيرالد”، أن التراجع الحالي قد يمثل فرصة دخول جذابة للمستثمرين طويلَي الأجل، مع توقعات بعودة قوية للسهم عندما تبدأ استثمارات الذكاء الاصطناعي في تحقيق أثر ملموس على الأرباح.

وفي نهاية المطاف، تكشف تجربة “مايكروسوفت” عن تحول جوهري في قواعد تقييم الأسواق المالية، حيث لم يعد مجرد ضخ الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي كافيًا لإقناع المستثمرين، بل باتت السوق تطالب بعائد واضح وقابل للقياس، ما يجعل المرحلة المقبلة اختبارًا حاسمًا لقدرة الشركات التكنولوجية العملاقة على تحويل الإنفاق إلى أرباح فعلية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى