رحلة لوكين كوفي.. كيف تحول “محتالو ناسداك” إلى ملوك القهوة في الصين؟

من مشروع ناشئ وُلد داخل موجة التحول الرقمي في الصين، إلى اسم هزّ ثقة المستثمرين في وول ستريت، ثم إلى شركة تحاول إعادة بناء صورتها من جديد، تقدّم “لوكين كوفي” واحدة من أكثر القصص إثارة وتقلبًا في قطاع الأغذية والمشروبات خلال العقد الأخير.
فقد جمعت الشركة بين نمو سريع جذب الأنظار، وانهيار مدوٍ كشف عن تضخيم واسع للأرقام المالية، قبل أن تعود لاحقًا إلى السوق بشكل أعاد طرح أسئلة حول حدود التعافي وثقة الأسواق.
انطلقت “لوكين كوفي” عام 2017 برؤية مختلفة لسوق المقاهي التقليدية، حيث قدمت نفسها كعلامة تجارية قائمة على التكنولوجيا بشكل كامل تقريبًا، تعتمد على التطبيقات الرقمية في الطلب والدفع والتسويق، مع نموذج توسع سريع قائم على الأسعار المنخفضة والعروض الترويجية المكثفة.
الفكرة بدت بسيطة وجذابة: قهوة رخيصة، تجربة رقمية سلسة، وانتشار واسع مدعوم بتحليل البيانات. وفعليًا، بين 2018 وبداية 2019، توسعت الشركة بوتيرة مذهلة، حيث افتتحت مئات الفروع وخدمت عشرات الملايين من العملاء، ونجحت في تجاوز عدد فروع “ستاربكس” داخل الصين، رغم استمرارها في تسجيل خسائر تشغيلية كبيرة.

لكن السوق لم يبدِ اهتمامًا كبيرًا بتلك الخسائر، إذ كانت أنظار المستثمرين مركزة على النمو السريع في الإيرادات، ما دفع الشركة إلى إدراج أسهمها في بورصة ناسداك بعد فترة قصيرة من تأسيسها، لتصل قيمتها السوقية إلى نحو 3.9 مليار دولار.
وراء هذا التوسع السريع، كانت تتشكل رواية مالية أكثر تعقيدًا. فبحسب التحقيقات اللاحقة، بدأت الشركة منذ أبريل 2019 في تنفيذ عمليات تلاعب ممنهج بالإيرادات عبر تسجيل مبيعات غير حقيقية، اعتمادًا على معاملات صورية وقسائم مزيفة وشبكات شراء وهمية جرى استخدامها لإظهار طلب أعلى من الواقع.
ولم يتوقف الأمر عند تضخيم الإيرادات، بل امتد إلى تعديل المصروفات بشكل مصطنع، بهدف إخفاء أثر التلاعب وإنتاج صورة مالية تبدو متماسكة ظاهريًا، رغم أنها لا تعكس النشاط الفعلي للشركة على الأرض.
في يناير 2020، وبينما كانت أسهم الشركة تحقق مستويات قياسية، ظهر تقرير مجهول اتهم “لوكين كوفي” بتضخيم مبيعاتها. ورغم النفي السريع من الإدارة واعتبار الاتهامات غير صحيحة، بدأت التحقيقات الداخلية تكشف تدريجيًا حجم الفجوة بين الأرقام المعلنة والواقع.
ومع اتساع التدقيق، انهارت الرواية المالية للشركة، واعترفت لاحقًا بأن بياناتها السابقة لم تعد موثوقة، مع تقديرات تشير إلى تضخيم الإيرادات بما يتجاوز 300 مليون دولار.
تدخلت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية ووجهت اتهامات رسمية للشركة بالاحتيال وتضليل المستثمرين عبر تضخيم الإيرادات والأرباح التشغيلية.
وانتهت القضية بتسوية مالية بلغت 180 مليون دولار، قبل أن يتم شطب أسهم الشركة من بورصة ناسداك في يونيو 2020.

بعد انهيار الثقة، اعتقد كثيرون أن “لوكين كوفي” خرجت نهائيًا من المشهد الاستثماري، خاصة مع دخولها في إجراءات إعادة الهيكلة. لكن الشركة فاجأت الأسواق في 2022 بإنهاء تلك الإجراءات والخروج من مرحلة الإفلاس، لتبدأ مرحلة إعادة بناء شاملة لنموذج أعمالها.
ركزت الإدارة الجديدة على تغيير جذري في الاستراتيجية، مبتعدة عن التوسع السريع غير المدروس، ومتجهة نحو تطوير منتجات أقرب إلى الذوق المحلي في الصين، وتحسين تجربة العملاء، ورفع الكفاءة التشغيلية بدلًا من السعي وراء نمو رقمي سريع.
وبحلول عام 2025، تمكنت الشركة من تحقيق إيرادات بلغت نحو 5.7 مليار دولار، في تحول لافت من شركة ارتبط اسمها بفضيحة محاسبية إلى لاعب فعّال في سوق القهوة الصيني، لكن تحت قواعد مختلفة تمامًا.
تُظهر تجربة “لوكين كوفي” بوضوح أن الأسواق قد تُبهرها معدلات النمو السريعة، لكنها لا تمنح ثقتها بسهولة. فالهندسة المالية قادرة على خلق صورة مؤقتة للنجاح، لكن استدامة القيمة تظل مرتبطة بعنصر واحد لا يمكن التلاعب به طويلًا: المصداقية.




