الاقتصادية

ذاكرة الأزمات تقود قرارات المستثمرين بين دروس الماضي ومخاطر المستقبل

لطالما اعتقد المستثمرون أن امتلاك الخبرة الطويلة في الأسواق يمنحهم قدرة أكبر على توقع التحولات المقبلة، غير أن التجارب المالية أثبتت أن الماضي قد يكون أحياناً سلاحاً ذا حدين؛ فهو يوفر دروساً مهمة لتجنب الأخطاء، لكنه قد يتحول أيضاً إلى حاجز يمنع رؤية المخاطر الجديدة التي تختلف عن سابقاتها.

فكما يحدث مع السائق الذي يتعرض لحادث قوي، قد يبقى تأثير التجربة السابقة حاضراً في ذهنه إلى درجة تجعله يراقب الطريق من زاوية واحدة فقط، متجاهلاً إشارات أخرى قد تكون أكثر أهمية. وهذا الأمر ينطبق بشكل كبير على المستثمرين الذين يحملون معهم ذكريات الانهيارات السابقة عند تقييم أي اضطراب جديد في الأسواق.

وعلى مدى العقود الماضية، تركت الأزمات الكبرى بصماتها على سلوك المستثمرين، بداية من انهيار فقاعة شركات الإنترنت مطلع الألفية، مروراً بالأزمة المالية العالمية عام 2008، وصولاً إلى صدمة جائحة كورونا.

ولم تعد حركة الأسعار والمؤشرات العامل الوحيد المؤثر في القرارات الاستثمارية، بل أصبحت “ذاكرة السوق” عنصراً أساسياً في تحديد مستوى الخوف والثقة والرغبة في المخاطرة.

تكشف دراسات التمويل السلوكي أن المستثمرين لا يقيمون المخاطر انطلاقاً من بيانات مجردة فقط، بل يعتمدون بدرجة كبيرة على التجارب السابقة التي شكلت قناعاتهم، وهي الظاهرة المعروفة باسم “تحيز الذاكرة” أو “التحيز القائم على الخبرة”.

فبعد انهيار أسهم شركات التكنولوجيا بين عامي 2000 و2002، ظل العديد من المستثمرين بعيدين عن القطاع لفترة طويلة، رغم عودة شركات كثيرة إلى تحقيق نمو قوي وتحسن نماذج أعمالها. كما خلفت أزمة 2008 حالة من الحذر تجاه القطاع المصرفي والأسواق التي تعتمد بشكل كبير على الديون والرافعة المالية.

ويعود ذلك إلى أن تأثير الخسائر لا يقتصر على الجانب المالي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي، إذ غالباً ما تكون صدمة فقدان الأموال أقوى من شعور تحقيق أرباح بالقيمة نفسها، وهو ما أكدته أبحاث عالمَي الاقتصاد السلوكي دانيال كانيمان وعاموس تفرسكي حول علاقة الإنسان بالمخاطر والخسائر.

برز تأثير ذاكرة الأزمات بشكل واضح خلال انهيار بنك سيليكون فالي في مارس 2023، عندما تحولت مخاوف مرتبطة بوضع بنك متخصص في تمويل شركات التكنولوجيا إلى أزمة ثقة واسعة في القطاع المصرفي.

ورغم اختلاف ظروف البنك عن الأزمة المالية التي اندلعت عام 2008، فإن ذكريات انهيار ليمان براذرز والمخاوف من تكرار سيناريو الانهيار دفعت العديد من العملاء والمستثمرين إلى التحرك بسرعة، ما أدى إلى موجة كبيرة من سحب الودائع.

كما لعبت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات التواصل الفوري دوراً مهماً في تسريع انتشار المخاوف، حيث انتقلت حالة القلق من نطاق محدود إلى موجة جماعية خلال وقت قصير.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن ذاكرة المستثمرين ليست موحدة؛ فبينما يركز البعض على الخسائر والانهيارات التي تعرضوا لها، يتذكر آخرون الفرص التي ظهرت بعد الأزمات، ما يجعل تأثير التجارب السابقة مختلفاً من مستثمر إلى آخر.

شكلت جائحة كورونا نقطة تحول في طريقة تعامل المستثمرين مع الانخفاضات الحادة. فبعد تراجع مؤشر “إس آند بي 500” بنحو 34% خلال الفترة الممتدة بين فبراير ومارس 2020، تمكنت الأسواق من التعافي بسرعة كبيرة بفضل التدخلات النقدية والمالية غير المسبوقة.

هذا التعافي السريع عزز لدى شريحة واسعة من المستثمرين، خصوصاً الذين دخلوا الأسواق عبر منصات التداول الرقمية، فكرة أن التراجعات الحادة قد تمثل فرصاً للشراء، وأن الهبوط غالباً ما يعقبه انتعاش قوي.

لكن هذه القناعة واجهت اختباراً صعباً خلال عام 2022، عندما دخلت الأسواق مرحلة ضغط بسبب ارتفاع التضخم وتشديد السياسات النقدية. فقد راهن عدد من المستثمرين على تكرار سيناريو التعافي السريع الذي أعقب أزمة كورونا، إلا أن اختلاف الظروف الاقتصادية جعل النتائج مختلفة.

وأظهرت تلك المرحلة أن الاعتماد على تجربة ناجحة من الماضي قد يؤدي إلى قرارات خاطئة عندما تتغير العوامل التي تحرك الأسواق.

لم تعد ذاكرة الأسواق مقتصرة على البشر فقط، بل أصبحت جزءاً من الأنظمة الآلية التي تتحكم في جزء كبير من عمليات التداول الحديثة.

فالخوارزميات المالية تعتمد على كميات ضخمة من البيانات التاريخية لتقييم المخاطر واتخاذ قرارات البيع والشراء، ما يعني أن الأزمات السابقة تصبح مدمجة داخل النماذج التي توجه حركة الأموال.

وعندما تتجاوز الأسواق مستويات معينة من التقلب، لا تبدأ هذه الأنظمة تحليلاً جديداً من الصفر، بل تتفاعل بناءً على الأنماط التي تعلمتها من أحداث تاريخية مشابهة.

وقد ظهر هذا التأثير خلال اضطرابات الأسواق في أغسطس 2024، عندما أدى تفكيك صفقات مرتبطة بالين الياباني إلى موجة بيع واسعة، بعدما تجاوزت تحركات الأسواق الحدود التي تعتمد عليها بعض النماذج الكمية.

وفي تلك الفترة، سجل مؤشر “نيكاي 225” الياباني تراجعاً حاداً بنسبة 12.4% في جلسة واحدة، وسط نقاش واسع حول دور التداولات الآلية في تسريع عمليات البيع وتعميق التقلبات.

ويرى محللون أن التكنولوجيا رفعت كفاءة الأسواق وسرعة تنفيذ العمليات، لكنها في المقابل جعلت ردود الفعل الجماعية أكثر حدة، لأن الأنظمة الآلية قد تضخم تأثير الذكريات التاريخية خلال فترات التوتر.

تؤكد التجارب المالية أن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه المستثمرون هو افتراض أن الأزمة المقبلة ستكون نسخة مكررة من أزمة سابقة.

فالأسواق ليست ثابتة، بل تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا، وتبدل السياسات النقدية، وظهور أدوات مالية جديدة، ما يجعل كل أزمة تحمل أسباباً وخصائص مختلفة.

وبعد أزمة 2008، عملت المؤسسات المالية العالمية على تعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات من خلال رفع مستويات رأس المال والسيولة وتطبيق إصلاحات تنظيمية واسعة، من بينها معايير “بازل 3”.

لكن أزمة بنك سيليكون فالي أثبتت أن المخاطر لا تختفي، بل تتحول إلى أشكال جديدة، حيث أصبحت سرعة سحب الودائع وانتشار المعلومات عبر المنصات الرقمية عوامل قادرة على خلق اضطرابات كبيرة خلال وقت قصير.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام المستثمرين لا يتمثل في نسيان الماضي أو تجاهله، بل في فهمه دون الوقوع في أسره. فالتاريخ يمنح الأسواق دروساً ثمينة، لكنه لا يقدم سيناريو جاهزاً للمستقبل.

فالمستثمر الذي يركز فقط على مرآة الماضي قد ينجح في تجنب أخطار حدثت سابقاً، لكنه قد يفشل في رؤية المخاطر الجديدة التي تتشكل أمامه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى