اقتصاد المغربالأخبار

وزارة المالية تتجه لإحداث هيئة مركزية لتسريع تصفية 92 مؤسسة عمومية معطلة

تواجه عملية إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب مرحلة جديدة من التحديات، بعدما أظهرت حصيلة رسمية أن الانتقال من وضع الإطار القانوني والمؤسساتي إلى التنفيذ العملي لا يزال يعرف بعض العراقيل، رغم الإصلاحات المهمة التي تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة لتعزيز الحكامة وتحسين مردودية القطاع العمومي.

وكشف تقرير أنشطة مديرية المنشآت العامة والخوصصة التابعة لوزارة الاقتصاد والمالية برسم سنة 2025 أن عدداً من الأوراش المرتبطة بإعادة هيكلة المحفظة العمومية لم تحقق التقدم المنتظر، خصوصاً ما يتعلق ببرنامج الخوصصة، وتسريع تصفية المؤسسات المتوقفة، ورفع وتيرة الاستثمار العمومي.

وأوضح التقرير أن هناك تفاوتاً بين الدينامية التشريعية التي عرفها ورش الإصلاح، وبين مستوى تنزيل الإجراءات على أرض الواقع، إذ تم اعتماد مجموعة من النصوص التنظيمية والمؤسساتية، في حين ظلت بعض الملفات العملية تواجه صعوبات حالت دون تحقيق الأهداف المسطرة.

ويأتي ملف الخوصصة في مقدمة هذه التحديات، بعدما لم يتم تنفيذ أي عملية تفويت خلال سنة 2025، رغم أن قانون المالية كان يتوقع تحقيق مداخيل بقيمة 9 مليارات درهم من عمليات الخوصصة وتدبير مساهمات الدولة.

وكانت الحكومة تراهن على تحصيل 6 مليارات درهم من عمليات الخوصصة، إضافة إلى 3 مليارات درهم من عمليات تفويت الأصول أو إعادة ترتيب مساهمات الدولة في بعض المؤسسات، غير أن الحصيلة النهائية لم تسجل أي عملية في هذا الإطار.

وتضم قائمة المؤسسات التي يمكن أن تشملها عمليات الخوصصة كلاً من شركة استغلال الموانئ “مرسى ماروك”، واتصالات المغرب، وفندق المامونية، والشركة الوطنية لتسويق البذور “سوناكوس”، وشركة “بيوفارما”، إلى جانب شركة الطاقة الكهربائية بتهدارت.

غير أن إدراج هذه المؤسسات ضمن قائمة الخوصصة لا يعني أن تفويتها كان مبرمجاً بشكل نهائي خلال سنة 2025، بل يعكس فقط إمكانية إخضاع بعض مساهمات الدولة لإعادة النظر وفقاً للأولويات الاقتصادية والمالية.

وأشار التقرير إلى أن مراجعة الإطار القانوني المنظم للخوصصة وتدبير المحفظة العمومية كانت لا تزال قيد الإعداد، بهدف تطوير آليات تفويت أصول الدولة وربطها بأهداف إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية.

وبالتوازي مع بطء برنامج الخوصصة، يظل ملف المؤسسات العمومية الموجودة في وضعية الحل أو التصفية من بين أبرز الملفات العالقة، إذ تشمل المحفظة المعنية 92 هيئة موزعة بين مؤسسات عمومية وشركات مساهمة وشركات ذات مساهمات عمومية غير مباشرة، إضافة إلى هيئات أخرى.

ورغم حجم هذه المحفظة، لم تتجاوز نسبة الملفات التي دخلت فعلياً مراحل التصفية 23 في المائة، وهو ما يعكس استمرار تعقيد الإجراءات المرتبطة بتسوية الوضعيات القانونية والمالية والعقارية لهذه المؤسسات.

ولتجاوز هذا التعثر، تتجه وزارة الاقتصاد والمالية نحو إحداث هيئة مركزية للتصفية تتولى توحيد تدبير الملفات وتسريع عمليات الإغلاق، بما يشمل معالجة الديون، وتصفية الممتلكات، وتسوية الالتزامات تجاه المستخدمين والمتعاملين.

وعلى مستوى الاستثمار، سجل التقرير تراجعاً في حجم البرامج الاستثمارية الخاضعة للمراقبة المالية القبلية والخاصة، حيث انخفضت من 55,1 مليار درهم سنة 2024 إلى 40,1 مليار درهم سنة 2025، بتراجع يقارب 27 في المائة.

كما تراجعت الاستثمارات المنجزة من حوالي 40,17 مليار درهم إلى 29,34 مليار درهم، أي بانخفاض يقارب 11 مليار درهم خلال سنة واحدة، بينما استقر معدل تنفيذ البرامج الاستثمارية في حدود 73 في المائة.

ورغم أن هذه الأرقام لا تشمل جميع استثمارات المؤسسات والمقاولات العمومية، فإنها تعكس تباطؤاً في تنفيذ بعض المشاريع، في وقت تراهن فيه الدولة على الاستثمار العمومي كأحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي.

وفي مجال مراقبة النفقات، أفادت المديرية بأن مصالح المراقبة المالية قامت خلال سنة 2025 بفحص 339 ألفاً و774 أمر أداء بلغت قيمتها الإجمالية 106,35 مليارات درهم.

وأسفرت عمليات المراقبة عن رفض 12 ألفاً و444 أمر أداء بقيمة تناهز 3,74 مليارات درهم، أي ما يعادل حوالي 3,5 في المائة من مجموع المبالغ الخاضعة للفحص.

كما شملت المراقبة 4494 صفقة بقيمة إجمالية بلغت 26,39 مليار درهم، حيث تم رفض 122 صفقة بقيمة قاربت 494 مليون درهم، فيما بقيت آلاف الصفقات خارج نظام التأشير القبلي.

وأكد التقرير أن هذه الرفضيات لا تعني بالضرورة وجود مخالفات مالية أو اختلالات، بل قد ترتبط بنقص الوثائق أو عدم احترام بعض الإجراءات القانونية والتنظيمية.

كما سجل ارتفاع عدد التسخيرات الموجهة إلى المحاسبين العموميين، حيث انتقلت من 749 حالة سنة 2024 إلى 876 حالة سنة 2025، في حين تراجعت قيمتها المالية من 216 مليون درهم إلى 193 مليون درهم.

وسجل قطاع التربية والتعليم والتكوين والتشغيل أكبر نسبة من هذه الحالات، بعدما استحوذ على حوالي 80 في المائة من التسخيرات المسجلة.

وفي مجال الحكامة، كشف التقرير أن 22 مؤسسة ومقاولة عمومية أصبحت تتوفر على أعضاء مستقلين داخل مجالس إدارتها، بينما لم تتجاوز المؤسسات التي بلغت فيها نسبة تمثيلية النساء 30 في المائة داخل الأجهزة التداولية 15 مؤسسة.

وتندرج هذه الإجراءات ضمن تنزيل ميثاق الممارسات الجيدة لحكامة المؤسسات والمقاولات العمومية، الذي يهدف إلى تعزيز استقلالية مجالس الإدارة، وتحسين تدبير المخاطر، وتطوير آليات تقييم الأداء.

كما شهدت سنة 2025 توقيع عقد برنامج بين الدولة والصندوق المغربي للتقاعد، إلى جانب مواصلة إعداد عقود برامج أخرى مع عدد من المؤسسات العمومية.

وعلى المستوى التشريعي، سجل التقرير اعتماد 9 نصوص قانونية مرتبطة بإصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، فيما توجد نصوص أخرى في مراحل مختلفة من المصادقة.

كما دخلت الشركات الجهوية متعددة الخدمات مرحلة التشغيل، في إطار إعادة تنظيم خدمات الماء والكهرباء والتطهير السائل على المستوى الترابي.

وفي قطاع الصحة، تواصلت عملية إعادة الهيكلة عبر إحداث الهيئة العليا للصحة، والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، إضافة إلى المجموعات الصحية الترابية.

في المقابل، لا تزال إصلاحات أخرى في قطاعات التعليم العالي والسكن والطاقة والبنيات التحتية واللوجستيك في مراحل الدراسة والتشاور.

ورغم التحديات، حافظت المؤسسات والمقاولات العمومية على دورها المالي، بعدما بلغت تحويلاتها لفائدة الميزانية العامة للدولة حوالي 20,61 مليار درهم سنة 2025، مقابل متوسط سنوي يقارب 11,6 مليار درهم خلال السنوات الأخيرة.

غير أن الجزء الأكبر من هذه الموارد جاء من عدد محدود من المؤسسات الكبرى، على رأسها المكتب الشريف للفوسفاط، والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، واتصالات المغرب، وبنك المغرب.

ومن المتوقع أن تصل هذه التحويلات إلى حوالي 19,52 مليار درهم سنة 2026، مع استمرار اعتماد الدولة على المؤسسات ذات الأداء المالي المرتفع.

وفي مجال الشراكة بين القطاعين العام والخاص، يجري العمل على دراسة مشروعين استراتيجيين باستثمارات إجمالية تناهز 8,8 مليارات درهم، بالتوازي مع استكمال تفعيل اللجنة الوطنية المكلفة بهذه الشراكات.

أما على مستوى الرقمنة، فقد عالجت منصة AD@E أكثر من 350 ألف أمر أداء، وربطت أكثر من ألف هيئة عمومية ونحو ألفي مستخدم، غير أن الربط البيني مع أنظمة المديرية لم يتجاوز 30 في المائة من الهيئات المستهدفة.

وتؤكد حصيلة سنة 2025 أن إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية بالمغرب انتقل من مرحلة بناء الإطار القانوني إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتمثل في التنفيذ الفعلي، حيث ستكون سنة 2026 اختباراً حقيقياً لقدرة الحكومة على تحويل الإصلاحات إلى نتائج عملية تعزز كفاءة القطاع العمومي وترفع مساهمته في التنمية الاقتصادية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى