انقلاب في سوق العمل: كبار السن يزاحمون الشباب على الوظائف !

تشهد ديناميكيات التوظيف حول العالم تحولًا تدريجيًا لكنه عميق في جوهره، حيث لم تعد الشركات تمنح الأفضلية المطلقة للشباب كما كان سائداً لعقود طويلة. فالمشهد المهني اليوم يعكس إعادة توجيه واضحة نحو فئة العمال الأكبر سنًا، وخاصة من تجاوزوا الخمسين عامًا، بعدما كانوا يُنظر إليهم سابقًا كخيار ثانوي في خطط التوظيف.
هذا التحول يأتي في وقت يتراجع فيه النموذج التقليدي الذي كان يربط بين الشباب وبين الكفاءة الرقمية والمرونة وانخفاض التكلفة، إذ بدأت العديد من المؤسسات تعيد تقييم هذه الفرضيات على ضوء تحديات التشغيل الفعلية. وفي المقابل، أصبحت إدارات الموارد البشرية أكثر تحفظًا تجاه توظيف جيل زد، الجيل الذي دخل سوق العمل خلال السنوات الأخيرة.
وفي بعض البيئات المهنية، تصاعدت نقاشات حادة حول هذا الجيل، حيث تُطلق عليه أحيانًا أوصاف نقدية مثل “ضعف الالتزام” و”صعوبة الاندماج في بيئة العمل” و”تراجع القدرة على تحمل الضغوط”، ما يعكس جدلًا أوسع حول مدى توافقه مع متطلبات الوظائف التقليدية.
تشير نتائج استطلاع دولي أجرته مؤسسة Intelligent.com وشمل قرابة ألف من مسؤولي التوظيف إلى ملامح هذا التحول بوضوح. فقد أقرّ واحد من كل ستة أرباب عمل بأنهم مترددون في إعادة توظيف مرشحين من جيل زد، بينما أفادت نحو 60% من الشركات بأنها قامت بإنهاء خدمات موظفين شباب خلال الأشهر الأولى من التوظيف خلال العام الماضي.
وتعود أسباب هذا التوجه، وفق مسؤولي التوظيف، إلى مجموعة من العوامل أبرزها ضعف الالتزام الوظيفي، وتراجع مهارات التواصل، وصعوبة تقبل النقد البنّاء، إضافة إلى فجوة بين مستوى الجاهزية المهنية وتوقعات بيئة العمل الحديثة.

هذا الواقع دفع العديد من الشركات إلى إعادة هيكلة سياسات التوظيف، وتوجيه جزء من استثماراتها بعيدًا عن استقطاب الخريجين الجدد نحو فئات أكثر خبرة واستقرارًا.
لا يمكن فصل هذا التحول عن اعتبارات اقتصادية مباشرة. فالشركات التي تستثمر في تدريب الموظفين الجدد تواجه في كثير من الحالات معدلات دوران مرتفعة، حيث يغادر بعضهم بعد فترة قصيرة، ما يؤدي إلى فقدان الاستثمار في التدريب وإعادة التوظيف.
في المقابل، تُظهر البيانات أن الموظفين الأكبر سنًا أكثر استقرارًا وظيفيًا. ووفقًا لمكتب إحصاءات العمل الأمريكي، يبلغ متوسط مدة الخدمة للعاملين بين 55 و64 عامًا نحو 9.8 سنوات، مقابل 2.8 سنة فقط للفئة بين 25 و34 عامًا.
هذا الفارق الكبير يجعل الكفاءات ذات الخبرة خيارًا أكثر جاذبية للشركات التي تسعى إلى خفض التكاليف وتقليل اضطرابات الموارد البشرية.
إلى جانب العوامل المؤسسية، يفرض التحول السكاني نفسه بقوة على سوق العمل العالمي. فمع انخفاض معدلات المواليد وارتفاع متوسط العمر في الاقتصادات المتقدمة، تواجه العديد من الدول نقصًا متزايدًا في القوى العاملة.
وتشير تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الحفاظ على النمو الاقتصادي في هذه الدول سيتطلب تمديد سنوات العمل لما بعد سن الخامسة والستين.
وفي الولايات المتحدة، ارتفعت نسبة مشاركة من تجاوزوا 65 عامًا في سوق العمل إلى 19.1% في عام 2025، مقارنة بـ12.9% فقط في عام 2000، في مؤشر واضح على إعادة تشكيل بنية القوى العاملة.
أما اليابان، فتقدم النموذج الأكثر وضوحًا لهذه الظاهرة، حيث دفعت الأزمة الديموغرافية الشركات إلى إعادة تشغيل المتقاعدين أو الإبقاء عليهم في وظائفهم لفترات أطول، حتى أصبح وجود موظفين في السبعينيات أمرًا مألوفًا.
في ظل اتساع فجوة المهارات عالميًا، بدأت الشركات تعيد اكتشاف قيمة الخبرة التراكمية. فالمعرفة التقنية وحدها لم تعد كافية، بينما تزداد أهمية القدرة على التحليل واتخاذ القرار وحل المشكلات المعقدة، وهي مهارات تُبنى عبر سنوات طويلة من العمل.
ووفق تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف، فإن 63% من الشركات تعتبر نقص المهارات العائق الأكبر أمام التحول والتطوير، مع توقع تغيّر نحو 40% من المهارات المطلوبة بحلول عام 2030.
كما يخطط 77% من أصحاب الأعمال للاستثمار في تطوير مهارات موظفيهم الحاليين بدل الاعتماد الكامل على التوظيف الخارجي، في إشارة إلى تزايد أهمية الاحتفاظ بالخبرات.
وفي أستراليا، تشير تقديرات KPMG إلى أن رفع مشاركة الفئة بين 55 و65 عامًا يمكن أن يضيف مئات الآلاف من العمال ويحقق مكاسب اقتصادية تتجاوز عشرات المليارات.
رغم المخاوف من تأثير التكنولوجيا على فرص كبار السن، فإن توسع الذكاء الاصطناعي يفتح في المقابل مساحة جديدة لتعزيز قيمة الخبرة البشرية.
فالشركات باتت بحاجة إلى موظفين قادرين على تقييم مخرجات الأنظمة الذكية، واكتشاف الأخطاء، وربط النتائج بالسياق العملي، وهي مهام تعتمد بشكل كبير على الخبرة المتراكمة.
ويرى خبراء أن المعرفة المؤسسية التي يمتلكها الموظفون ذوو الخبرة يصعب استبدالها بالأنظمة الآلية.
وفي المقابل، حذرت مديرة صندوق النقد الدولي من أن الوظائف المبتدئة قد تكون الأكثر عرضة للتأثر بالذكاء الاصطناعي، ما قد يعيد تشكيل مسارات الدخول إلى سوق العمل.
على مستوى التطبيق، بدأت شركات كبرى في إعادة تصميم بيئات العمل لتكون أكثر ملاءمة للموظفين الأكبر سنًا.
ففي ألمانيا، قامت شركة BMW بتعديل خطوط الإنتاج عبر تحسين بيئة العمل، مثل الأرضيات المريحة والأدوات المساندة، بهدف الحفاظ على إنتاجية العاملين فوق الخمسين.
وفي بريطانيا، أطلقت شركات تجزئة كبرى برامج توظيف موجهة للمتقاعدين، مع تسجيل ارتفاع في رضا العملاء وانخفاض في معدلات الغياب بين هذه الفئة.
كما اعتمدت شركات مثل Home Depot وCVS Health أنظمة عمل مرنة وجداول جزئية لاستقطاب أصحاب الخبرات، في إطار تحول أوسع في فهم مفهوم الكفاءة المهنية.
في ظل التغيرات الديموغرافية والتحولات التكنولوجية المتسارعة، لم يعد العمر معيارًا حاسمًا في تحديد الكفاءة المهنية كما كان في السابق.
وبينما تتراجع بعض المسلّمات القديمة حول تفوق الشباب، تتقدم قيمة الخبرة والاستقرار إلى الواجهة، لتفرض واقعًا جديدًا يعيد تعريف رأس المال البشري بوصفه مزيجًا من المعرفة المتراكمة والقدرة على التكيف عبر الزمن.




