أزمة خصاص العمالة تدفع المغرب إلى إعادة التفكير في إدماج المهاجرين بسوق الشغل

يواجه سوق الشغل في المغرب مفارقة هيكلية لافتة، تتجلى في استمرار العجز القطاعي عن استقطاب العمالة في مجالات البناء والفلاحة والخدمات، مقابل تسجيل مستويات بطالة مرتفعة في صفوف الشباب.
وفي وسط هذه الفجوة، يبرز المهاجرون الأجانب كقوة عمل فعلية تتمدد في أنشطة اقتصاد الهامش، في وقت تسعى فيه المؤسسات الرسمية إلى ضبط أطر إدماجهم دون تحويلهم إلى عمالة رخيصة.
وتشير التحليلات الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن هذا العزوف لا يعود لرفض مجتمعي لمبدأ العمل، بقدر ما يرتبط بطبيعة العرض المتاح، والذي يتركز غالباً في وظائف موسمية وشاقة بمرتبات متدنية، وتفتقر لشروط الاستقرار وتحديات السكن والنقل.
وفي المقابل، أظهرت المعطيات الديموغرافية ارتفاع عدد الأجانب المقيمين بالمملكة إلى نحو 148 ألفاً و152 شخصاً، تشكل فئة بعمر العمل نسبة 80.1% منهم. وأكد أكثر من نصف هؤلاء أن الدافع الأساسي لإقامتهم بالمغرب هو البحث عن فرص شغل، ما يقدمهم كمورد بشري قادر على رفد القطاعات التي تشهد عزوفاً عن المهن البدنية والتقنية.
ورغم هذا الرصيد الديموغرافي، يظل الإدماج المهني المؤسساتي في حدوده الأدنى، إذ لم تتجاوز عقود العمل المرخصة للأجانب 13 ألفاً و877 عقداً، فيما لم تفلح الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (أنابيك) سوى في إدماج 305 أشخاص رسمياً من بين أزيد من 7 آلاف أجنبي مسجل لديها.
ويرجع هذا التعثر، بحسب التقييمات الرسمية، إلى تعقيد المساطر التي تفصل بين الحصول على الإقامة وترخيص التوظيف، فضلاً عن عقبة معادلة الشهادات والأوراق الرسمية، وهو ما يدفع قطاعاً واسعاً من المهاجرين نحو الهامش والأنشطة غير الهيكلية للتكسب اليومي.
وفي هذا السياق، يحذر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من لجوء بعض المقاولات للعمالة المهاجرة خارج الأطر التعاقدية كوسيلة للالتفاف على مستويات الأجور، مشدداً على أن هذا الخيار سيرسخ ظروف الشغل المنفرة ذاتها ولن يحل الأزمة الهيكلية للقطاعات المتأثرة.
ودعا المجلس إلى وضع رؤية متكاملة تعتبر المهاجرين مقوماً مكتملاً لليد العاملة الوطنية وليس بديلاً رخيصاً عنها، مع الإسراع بصياغة خريطة وطنية للمهن التي تعاني خصاصاً زجرياً، لا سيما في قطاعات الرعاية الاجتماعية والصحية.
وتخلص التقييمات المؤسساتية إلى أن معالجة معادلة الشغل بالمغرب تقتضي مسارين متوازيين: الأول يعتمد تحسين بيئة وأجور العمل لليد العاملة الوطنية، والثاني يقوم على تبسيط مساطر إدماج الكفاءات المهاجرة لنقل نشاطها من اقتصاد الهامش إلى الدورة الاقتصادية المنظمة.



