العمل عن بُعد يوسع فرص تحسين الدخل ويعيد تشكيل سوق الوظائف

يشهد سوق العمل تحولاً متسارعاً مع اتساع نطاق الوظائف التي يمكن أداؤها من خارج المكاتب، وهو تحول بدأ يغير ليس فقط طريقة العمل، بل أيضاً طبيعة الفرص المتاحة أمام الباحثين عن وظائف أفضل دخلاً. وتشير دراسة حديثة إلى أن العمل عن بُعد قد يمنح بعض الفئات، خصوصاً أصحاب الأجور المنخفضة، قدرة أكبر على تجاوز حدود أسواق العمل المحلية.
وأظهرت الدراسة أن إزالة عامل المسافة بين الموظف وصاحب العمل تفتح المجال أمام الوصول إلى وظائف كانت بعيدة جغرافياً، ما قد يزيد فرص الانتقال إلى مناصب ذات أجور أعلى ومسارات مهنية أفضل.
وحلل باحثان من جامعة بكين ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا نحو 48 مليون عملية انتقال وظيفي في الولايات المتحدة بين عامي 2020 و2024، بينها قرابة مليون انتقال إلى وظائف يمكن أداؤها عن بُعد.
وأظهرت النتائج أن الانتقال إلى وظيفة قابلة للعمل عن بُعد ارتبط بنمو إضافي في الأجور بلغ نحو 4.13 في المائة مقارنة بالانتقال إلى وظائف حضورية مماثلة.
وكانت المكاسب الأكبر من نصيب العاملين في أدنى شرائح الدخل، حيث خلصت الدراسة إلى أن الانتقال إلى وظائف تتيح العمل عن بُعد ارتبط بزيادة في الأجور تصل إلى 14.6 في المائة لدى هذه الفئة.
وتراجعت المكاسب كلما ارتفع مستوى الأجور، في مؤشر على أن توسيع نطاق البحث عن الوظائف خارج السوق المحلية قد يكون أكثر تأثيراً بالنسبة إلى العاملين الذين يعيشون في مناطق محدودة الخيارات المهنية.
كما ظهرت فوائد أكبر لدى الموظفين المقيمين في مدن يقل فيها حضور القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا والوظائف ذات الرواتب المرتفعة، إذ يمنحهم العمل عن بُعد إمكانية المنافسة على فرص موجودة في أسواق أخرى.
وتعكس هذه النتائج تحولاً في العلاقة بين مكان إقامة الموظف والوظيفة التي يمكنه الوصول إليها. فمع انتشار العمل عن بُعد، لم يعد البحث عن فرصة مهنية مرتبطاً بالضرورة بالشركات الموجودة في المدينة نفسها أو المناطق المحيطة بها.
وأصبح بإمكان بعض الموظفين التقدم إلى وظائف لدى شركات بعيدة جغرافياً دون الحاجة إلى الانتقال إلى مدينة أخرى، الأمر الذي يوسع نطاق الخيارات المهنية المتاحة أمامهم.
لكن الدراسة لا تعتبر العمل عن بُعد في حد ذاته سبباً مباشراً لزيادة الرواتب، إذ ترتبط المكاسب أساساً بالانتقال إلى وظيفة جديدة تكون أفضل من الوظيفة السابقة.
كما أن نسبة 4.13 في المائة تمثل فارقاً إضافياً في نمو الأجر عند الانتقال إلى وظيفة جديدة، وليست زيادة ثابتة يحصل عليها كل شخص يعمل عن بُعد.
وتتوافق بعض هذه الاستنتاجات مع نتائج دراسة منفصلة أجريت في فرنسا، ربطت انتشار سياسات العمل عن بُعد بارتفاع الأجور لدى بعض الموظفين وانتقالهم إلى وظائف ذات مستويات مهنية أعلى.
كما سجلت الدراسة زيادة في المسافة بين أماكن إقامة الموظفين ومقار الشركات التي يعملون لديها، وهو ما يعكس اتساع نطاق سوق العمل مع تراجع أهمية القرب الجغرافي بالنسبة إلى الوظائف التي يمكن إنجازها عن بُعد.
وتتجه بعض الشركات في منطقة الخليج أيضاً إلى توسيع مفهوم العمل المرن ليشمل إمكانية أداء الموظفين لمهامهم من خارج الدولة التي يوجد فيها مقر الشركة.
وفي الإمارات، أظهرت بيانات لشركة «ميرسر» في مايو 2026 أن 59 في المائة من الشركات تسمح لموظفيها بالعمل عن بُعد من دولة أخرى، بينما قامت 46 في المائة بتعديل سياساتها المتعلقة بهذا النمط من العمل.
كما كانت 30 في المائة من الشركات تدرس إدخال تغييرات إضافية على سياسات العمل المرن عبر الحدود.
وتشير هذه التحولات إلى أن العمل عن بُعد أصبح يتجاوز كونه أسلوباً لتنظيم ساعات ومكان العمل، ليتحول إلى عنصر مؤثر في توزيع الفرص المهنية. فكلما اتسعت إمكانية العمل من أي مكان، أصبح بإمكان الموظفين الوصول إلى أسواق ووظائف كانت في السابق خارج نطاقهم الجغرافي، وهو ما قد يمنح الفئات ذات الفرص المحدودة مساحة أكبر لتحسين مساراتها المهنية ودخولها.




