العملات الرقميةالعملات المشفرة

العملات المستقرة أمام اختبار المؤسسات.. المحاسبة والامتثال يحددان فرص التوسع

تدخل العملات المستقرة مرحلة جديدة من المنافسة على تبني المؤسسات المالية، بعدما بدأ الإطار التنظيمي والمحاسبي الأميركي يفرض معايير أكثر وضوحاً بشأن جودة الاحتياطيات وآليات الاسترداد وإدارة المخاطر، ما قد يجعل الامتثال أحد أبرز العوامل التي تحدد قدرة مُصدري هذه الأصول على الوصول إلى الشركات والبنوك الكبرى.

ويُنظر إلى التطورات المحاسبية الأخيرة باعتبارها خطوة يمكن أن تقلل بعض العقبات أمام استخدام العملات المستقرة في بيئة الأعمال، لكنها في الوقت نفسه لا تعني منح هذه الأصول تلقائياً المعاملة نفسها التي تحظى بها الودائع المصرفية أو النقد التقليدي في مختلف الاستخدامات.

وقال فيل شام، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة Aquanow المتخصصة في البنية التحتية للأصول الرقمية، إن الاعتراف المحاسبي بالعملات المستقرة التي تستوفي الشروط المطلوبة يمكن أن يزيل جزءاً من حالة عدم اليقين التي تواجه المؤسسات عند تقييم استخدامها، لكنه لن يحولها بصورة تلقائية إلى بديل كامل للنقد أو الودائع البنكية.

وكان مجلس معايير المحاسبة المالية الأميركي (FASB) قد طرح في 18 أغسطس مقترحاً يوضح كيفية تطبيق القواعد الحالية المتعلقة بالنقد وما يعادله على بعض الأصول الرقمية.

ولا يتعامل المقترح مع جميع العملات المستقرة باعتبارها نقداً، بل يركز على فئة محددة تتوافر فيها مجموعة من الشروط، أبرزها الحفاظ على استقرار نسبي في القيمة، وامتلاك احتياطيات سائلة، إلى جانب وجود حقوق تعاقدية تمنح حاملي العملة إمكانية استرداد قيمتها نقداً مباشرة من الجهة المصدرة عند الطلب.

ومن شأن هذه المعايير أن تميز بين العملات المستقرة من حيث بنيتها المالية ومدى قدرتها على تلبية متطلبات السيولة، بدلاً من التعامل مع القطاع باعتباره فئة واحدة متجانسة.

وجاء التحرك المحاسبي بعد يوم واحد فقط من طلب وزارة الخزانة الأميركية الحصول على آراء عامة بشأن القواعد المرتبطة بتطبيق المادة الثالثة من قانون GENIUS.

وقد يؤدي تزامن هذه التطورات إلى تقليص جانب من حالة عدم اليقين التي تحيط بالمعالجة المحاسبية والتنظيمية للعملات المستقرة، لكنه في المقابل يرفع سقف المتطلبات أمام الشركات المصدرة التي تستهدف دخول السوق المؤسسية الأميركية.

ومن المتوقع أن تصبح جودة الاحتياطيات، وشفافية آليات الاسترداد، وقدرة المُصدر على إدارة المخاطر، عناصر أكثر أهمية في تقييم العملات المستقرة من جانب المؤسسات المالية.

وفي حال تمكن بعض العملات المستقرة من استيفاء معايير معاملتها كمعادلات للنقد، فقد تتوسع مجالات استخدامها داخل الشركات، خصوصاً في إدارة السيولة والمدفوعات وعمليات التسوية.

كما يمكن أن تؤثر هذه المعالجة في الطريقة التي تظهر بها الأصول الرقمية داخل الميزانيات العمومية للشركات، وكذلك في تقييم المؤسسات لحجم السيولة المتاحة لديها.

ويمثل ذلك تطوراً مهماً بالنسبة للشركات التي تبحث عن أدوات رقمية لتسريع عمليات الدفع والتسوية، خصوصاً في المعاملات التي تتطلب نقل الأموال على مدار الساعة أو عبر الحدود.

لكن الطريق نحو التبني المؤسسي لا يتوقف عند القواعد المحاسبية. فبحسب شام، تمثل المعالجة المحاسبية جزءاً واحداً فقط من منظومة القرارات التي يتعين على البنوك وشركات الاستثمار والمؤسسات الأخرى اتخاذها قبل استخدام العملات المستقرة على نطاق واسع.

ولا تزال المؤسسات مطالبة بالنظر في متطلبات رأس المال التنظيمي، وحدود المخاطر الداخلية، وشروط الضمانات، فضلاً عن الالتزامات القانونية والتعاقدية المرتبطة باستخدام هذه الأصول.

وتزداد أهمية هذه النقطة في ظل اختلاف القواعد التي تحكم المؤسسات المالية والشركات، إذ قد تفرض بعض الاتفاقيات الائتمانية أو عقود السندات تعريفات مستقلة لمفهوم «النقد وما يعادله».

وبالتالي، فإن استيفاء عملة مستقرة لمعايير FASB لن يكون بالضرورة كافياً لإدراجها ضمن الأصول التي تستوفي شروط السيولة أو الحد الأدنى للنقد المنصوص عليها في اتفاقية تمويل معينة.

وقد تحتاج الشركات في بعض الحالات إلى الحصول على موافقة المقرضين قبل احتساب هذه العملات ضمن الأصول المؤهلة بموجب عقود الائتمان.

وتشير هذه التطورات إلى أن المنافسة بين مُصدري العملات المستقرة قد تنتقل تدريجياً من التركيز على حجم التداول وانتشار الرمز إلى معايير أكثر ارتباطاً بالامتثال والشفافية وجودة الاحتياطيات.

فكلما تمكن المُصدر من إثبات استقرار أصوله الاحتياطية ووضوح حقوق الاسترداد والالتزام بالمتطلبات التنظيمية، ازدادت فرص قبول عملته لدى المؤسسات التي تخضع لقواعد صارمة لإدارة السيولة والمخاطر.

وبذلك، قد يصبح الامتثال التنظيمي والمحاسبي خلال المرحلة المقبلة ليس مجرد شرط لدخول السوق المؤسسية، بل عاملاً تنافسياً أساسياً يحدد أي العملات المستقرة ستنجح في الانتقال من الاستخدامات الرقمية إلى منظومة المدفوعات والخدمات المالية التقليدية.

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى