الثقة في المؤسسات تتراجع والمجال الرقمي يعيد رسم المشهد السياسي المغربي

لم تعد السياسة في المغرب تُمارس داخل المؤسسات وحدها. فمع اتساع حضور المنصات الرقمية وتغير طرق تفاعل المواطنين مع القضايا العامة، بدأت ملامح جديدة للعلاقة بين المجتمع والمؤسسات السياسية في الظهور، في وقت تواجه فيه قنوات الوساطة التقليدية تحدياً متزايداً لاستعادة قدرتها على الإنصات للمطالب الاجتماعية وتحويلها إلى أجندات وسياسات عمومية.
ويكشف تقرير صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن هذا التحول يتزامن مع اتساع فجوة الثقة بين المواطنين وعدد من المؤسسات، رغم استمرار التأييد الشعبي لمبادئ الديمقراطية والتمثيل السياسي. وهو ما يضع الأحزاب والبرلمان والحكومة أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الحفاظ على الإيمان بالمؤسسات الديمقراطية في ظل تراجع الثقة في أدائها؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع صعود الفضاء الرقمي باعتباره مجالاً جديداً للتعبير السياسي والاجتماعي، حيث أصبح المواطن قادراً على طرح القضايا وتعبئة الرأي العام وممارسة الضغط على المؤسسات خارج القنوات التقليدية للوساطة.
وتعكس بيانات الباروميتر العربي لسنتي 2023 و2024 هذه المفارقة بوضوح. فقد أبدى 68 في المائة من المغاربة تأييدهم لنظام برلماني تعددي، في حين لم تتجاوز نسبة الثقة في الحكومة 33 في المائة، مقابل 38 في المائة بالنسبة إلى البرلمان.
وتشير هذه المعطيات إلى أن ضعف الثقة لا يعني بالضرورة رفض الديمقراطية أو التمثيل السياسي، وإنما يعكس، بدرجة أكبر، تقييماً سلبياً أو متحفظاً لأداء المؤسسات ومدى قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
وتكمن أهمية هذه الفجوة في أن المؤسسات الوسيطة يفترض أن تؤدي دوراً يتجاوز الانتخابات، من خلال نقل مطالب المواطنين إلى مراكز القرار، وإنتاج البرامج والأفكار، وتأطير المجتمع، ثم ضمان وجود آليات واضحة للمساءلة والمحاسبة.
وتوجد الأحزاب السياسية في قلب هذا التحدي، باعتبارها إحدى أهم حلقات الربط بين المجتمع والدولة. غير أن تعدد التنظيمات السياسية لا يبدو كافياً، في حد ذاته، لضمان تعدد حقيقي في الخيارات المعروضة أمام الناخب.
وخلال انتخابات 2021، شاركت 31 هيئة سياسية، بينما تمكن 12 حزباً من الوصول إلى مجلس النواب. لكن هذا التنوع العددي لا ينعكس بالضرورة على مستوى التمايز في البرامج والخطابات، خصوصاً مع تقارب بعض المواقف وتشابك التحالفات السياسية.
ومن شأن ضعف الفوارق الواضحة بين المشاريع السياسية أن يجعل عملية الاختيار الانتخابي أكثر ارتباطاً بالأشخاص واللوائح والتحالفات، وأقل ارتباطاً بالتصورات المختلفة لتدبير الشأن العام والسياسات العمومية.
كما أن الحزب السياسي يفترض ألا يقتصر دوره على تقديم المرشحين خلال الانتخابات، بل أن يكون مؤسسة لتكوين النخب وإنتاج الأفكار وتأطير المواطنين وتقديم البدائل. وكلما تراجعت هذه الوظائف، تقلصت قدرة الأحزاب على أداء دورها كوسيط سياسي واجتماعي.
ولا تتوقف إشكالية الوساطة عند الأحزاب، بل تمتد إلى العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتحديد المسؤولية عن القرارات والسياسات العمومية.
وفي هذا السياق، أشارت دراسة أكاديمية نشرت سنة 2024 في مجلة Political Science Research and Methods إلى أن احتمال استجابة الوزراء التقنوقراط للأسئلة البرلمانية أقل مقارنة بالوزراء المنتمين إلى الأحزاب السياسية.
وتكتسي هذه الملاحظة أهمية بالنسبة لمبدأ المحاسبة، إذ لا تقتصر فعالية الرقابة على وجود مؤسسات وآليات رسمية، وإنما ترتبط أيضاً بوضوح الجهة المسؤولة عن القرار والنتائج المترتبة عنه.
وعندما تصبح الحدود بين المسؤولية السياسية والتدبير التقني أقل وضوحاً، قد يجد المواطن صعوبة في تحديد الجهة التي ينبغي مساءلتها عن السياسات والنتائج، وهو ما يجعل أزمة الوساطة تمتد من لحظة الانتخاب إلى مرحلة اتخاذ القرار ثم المحاسبة.
وفي الوقت الذي تواجه فيه الوساطة التقليدية هذه التحديات، يتوسع المجال الرقمي ليصبح أحد أبرز فضاءات النقاش العام في المغرب.
فمع وصول نسبة استخدام الإنترنت إلى نحو 91 في المائة، وبلوغ استخدام شبكات التواصل الاجتماعي 99,2 في المائة بين مستخدمي الإنترنت، أصبحت المنصات الرقمية جزءاً أساسياً من الحياة العامة، ولم تعد مجرد وسائل للتواصل والترفيه.
وأصبح المواطن قادراً، عبر هاتفه، على طرح قضية عامة أو انتقاد قرار أو إطلاق حملة أو تعبئة آلاف الأشخاص خلال فترة قصيرة، دون الحاجة إلى المرور عبر حزب أو جمعية أو مؤسسة تمثيلية.
وأظهرت التحركات الشبابية عبر المنصات الرقمية، ومن بينها أحداث 212GenZ خلال 2025، إلى جانب التفاعلات المرتبطة بأزمة سبتة خلال صيف 2026، قدرة الفضاء الرقمي على إنتاج موجات سريعة من التعبئة وفرض بعض القضايا على أجندة النقاش العام.
وبذلك، لم يعد دور المنصات الرقمية يقتصر على نقل النقاش السياسي، بل أصبحت قادرة في بعض الحالات على صناعة النقاش نفسه وتحديد القضايا التي تحظى باهتمام الرأي العام.
هذا التحول يضع المؤسسات أمام تحدٍ إضافي يتعلق بسرعة التواصل وجودة المعلومة. فكلما تأخرت المؤسسة في تقديم تفسير واضح لقرار أو حدث، اتسعت المساحة أمام الروايات المتنافسة والتأويلات والمعلومات غير الدقيقة.
ومن ثم، أصبح التواصل المؤسساتي جزءاً من وظيفة الوساطة السياسية، وليس مجرد أداة لتحسين الصورة. فالمواطن يحتاج إلى معلومة سريعة وواضحة، وإلى تفسير للقرارات، وإلى إمكانية التفاعل مع المؤسسات عندما تظهر انتقادات أو أخطاء.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في ظل وجود مؤشرات اجتماعية لافتة، من بينها أن 35 في المائة من المغاربة يرغبون في الهجرة. ومهما تعددت أسباب هذه الرغبة، فإنها تطرح تساؤلات حول علاقة قطاعات من المجتمع، خصوصاً الشباب، بآفاق المستقبل وبمدى قدرتهم على التأثير في السياسات والقرارات التي تمس حياتهم اليومية.
أمام هذه التحولات، تبدو المؤسسات أمام ثلاثة مسارات محتملة.
المسار الأول هو الترميم المؤسسي، من خلال تجديد الأحزاب والنخب، وتقوية الرقابة البرلمانية، وتوضيح المسؤوليات، وتوسيع آليات المشاركة السياسية خارج مواعيد الانتخابات. ويظل هذا الخيار الأكثر قدرة على إعادة بناء الثقة، لأنه يعيد المواطن إلى قلب العملية السياسية باعتباره شريكاً مستمراً وليس ناخباً موسمياً.
أما المسار الثاني فيتمثل في إدارة الصورة عبر التركيز على الخطاب والتواصل دون معالجة الاختلالات الأساسية. وقد يساهم هذا النهج في احتواء بعض الأزمات مؤقتاً، لكنه لن يكون كافياً لإعادة بناء ثقة مستدامة، لأن الثقة ترتبط أساساً بالنتائج والأداء والمحاسبة.
ويتمثل المسار الثالث في القطيعة المتراكمة، حيث يستمر العزوف عن القنوات السياسية التقليدية، بينما تتوسع أشكال التعبئة خارج المؤسسات، ويتعاظم دور المنصات الرقمية والشارع في التعبير عن المطالب.
ويحمل هذا السيناريو كلفة أكبر على الوساطة السياسية، لأنه قد يؤدي تدريجياً إلى تراجع قدرة المؤسسات التقليدية على تنظيم النقاش العام واستيعاب المطالب داخل الأطر المؤسساتية.
ولا تبدو معالجة هذه الإشكالية مرتبطة بإعادة صياغة المؤسسات من الصفر، بقدر ما تتطلب إعادة الاعتبار إلى الوظائف التي يفترض أن تؤديها.
ويأتي في مقدمة ذلك تقوية الأحزاب باعتبارها فضاءات لتكوين النخب وإنتاج الأفكار، وربط المسؤولية السياسية بالنتائج، وتعزيز الرقابة والمحاسبة، وتوسيع استخدام آليات المشاركة التشاركية، من قبيل العرائض والملتمسات.
كما أصبح من الضروري تطوير علاقة المؤسسات بالمجال الرقمي، والتعامل معه باعتباره فضاءً حقيقياً للنقاش العمومي وليس مجرد قناة لنشر البيانات الرسمية. ويمكن للذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة أن تساعد في رصد اتجاهات الرأي العام وتحليل القضايا التي تشغل المواطنين، شريطة احترام الشفافية وحماية البيانات ووضع ضوابط للاستخدام المسؤول.
وفي النهاية، فإن قوة المؤسسة لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، وإنما كذلك بقدرتها على الإنصات والتفسير والاستجابة والتصحيح وتحمل المسؤولية.
فالانتخابات تمنح المؤسسات شرعيتها، لكن الثقة تُبنى في الفترة الممتدة بين استحقاق وآخر، من خلال النتائج الملموسة ووضوح المسؤوليات وفعالية آليات المشاركة والمساءلة.
ومن هنا، فإن مستقبل الوساطة السياسية في المغرب سيظل مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات على استعادة موقعها كحلقة وصل فعالة بين المواطن والدولة، في وقت يواصل فيه المجال الرقمي توسيع نفوذه باعتباره فضاءً رئيسياً لتشكيل الرأي العام والتعبير عن المطالب الاجتماعية.




