أوراكل تدفع ثمن سباق الذكاء الاصطناعي.. عقود بمئات المليارات تصطدم بجدار الديون

في الوقت الذي تراهن فيه كبرى شركات التكنولوجيا على طفرة الذكاء الاصطناعي لبناء إمبراطوريات رقمية جديدة، تجد شركة أوراكل نفسها أمام اختبار صعب في الأسواق المالية، بعدما تحولت توقعات النمو القياسية والعقود الضخمة التي أبرمتها إلى مصدر قلق بشأن قدرتها على تحمل تكاليف التوسع المتسارع.
فالشركة، التي نجحت في ترسيخ موقعها كأحد أبرز مزودي البنية التحتية السحابية للذكاء الاصطناعي، تواجه موجة ضغوط من المستثمرين بسبب ارتفاع مستويات الاقتراض والحاجة إلى إنفاق مليارات الدولارات لتلبية الطلب المتزايد على خدماتها.
وانعكست هذه المخاوف بشكل مباشر على أداء السهم، الذي فقد أكثر من نصف قيمته منذ بداية يونيو، كما تراجع بنحو 64 في المائة مقارنة بأعلى مستوى تاريخي سجله في شتنبر الماضي عند 345.7 دولاراً، رغم استمرار توسع أعمال الشركة وتدفق الطلبات على حلولها السحابية.
ويأتي هذا التراجع في وقت كشفت فيه أوراكل عن قفزة كبيرة في حجم التزاماتها المستقبلية، بعدما ارتفعت قيمة العقود المتعاقد عليها بنسبة 363 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 638 مليار دولار مع نهاية السنة المالية 2026، ما يعكس شهية قوية لدى الشركات العالمية لخدمات الحوسبة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
يعتمد جزء كبير من مستقبل الشركة على توسعها في مجال البنية التحتية الرقمية، خصوصاً بعد توقيع اتفاقيات ضخمة مع شركات التكنولوجيا الكبرى، من أبرزها عقد مع أوبن إيه آي بقيمة 300 مليار دولار يمتد لخمس سنوات، لتوفير قدرات حوسبة متقدمة تدعم مشاريع الذكاء الاصطناعي.
غير أن هذه العقود القياسية لم تنجح في تهدئة مخاوف الأسواق، إذ بدأ المستثمرون في التركيز على الجانب الآخر من المعادلة، والمتمثل في حجم الاستثمارات المطلوبة لتنفيذ هذه الالتزامات، خاصة مع ارتفاع تكلفة إنشاء مراكز البيانات وتجهيزها بالبنية التقنية اللازمة.
يتمثل التحدي الأكبر أمام أوراكل في تمويل مرحلة التوسع الجديدة، بعدما وصلت ديون الشركة إلى نحو 130 مليار دولار خلال السنة المالية المنتهية في ماي 2026، بالتزامن مع خطط لاستثمار ما يصل إلى 95 مليار دولار إضافية خلال السنة المالية المقبلة لتعزيز قدراتها في مجال مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
كما تخطط الشركة لجمع حوالي 40 مليار دولار جديدة عبر أسواق الدين، وهو ما أثار مخاوف بشأن ارتفاع تكاليف التمويل وتزايد الضغط على التدفقات النقدية مستقبلاً.
ودفعت هذه التطورات وكالة ستاندرد آند بورز إلى خفض التصنيف الائتماني لأوراكل إلى مستوى BBB-، في وقت ارتفعت فيه تكلفة التأمين ضد مخاطر ديون الشركة إلى أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008.
ورغم التراجع القوي الذي شهده السهم، يرى بعض المحللين أن الانخفاض الحاد قد يوفر فرصة للمستثمرين، بعدما أصبح تقييم أوراكل أقل مقارنة ببعض منافسيها الكبار في قطاع الحوسبة السحابية.

فقد انخفض مضاعف الربحية المستقبلي للشركة إلى حوالي 15.6 مرة، مقابل نحو 21 مرة لدى مايكروسوفت وحوالي 29 مرة لدى أمازون، ما يجعل السهم يتداول عند مستويات أقل من شركات كبرى تستفيد بدورها من طفرة الذكاء الاصطناعي.
كما لا تزال بعض المؤسسات المالية متفائلة بآفاق الشركة، إذ رفع بنك أوف أمريكا السعر المستهدف لسهم أوراكل إلى 240 دولاراً مع الحفاظ على توصية الشراء، وهو ما يعكس توقعات بوجود هامش صعود كبير مقارنة بسعر الإغلاق الأخير عند 125.8 دولاراً.
وتبقى قدرة أوراكل على تحقيق التوازن بين النمو والالتزامات المالية هي العامل الحاسم في المرحلة المقبلة، إذ سيكون نجاحها مرتبطاً بمدى قدرتها على تحويل العقود الضخمة التي حصلت عليها إلى إيرادات فعلية وهوامش ربح قادرة على تغطية الاستثمارات والديون المتزايدة.
وبين فرصة الاستفادة من موجة الذكاء الاصطناعي التاريخية ومخاطر التوسع الممول بالاقتراض، تجد أوراكل نفسها أمام اختبار حقيقي لتثبت أن رهاناتها الضخمة يمكن أن تتحول إلى قيمة مستدامة للمساهمين.




