مراقبة ضريبية موسعة لمشاريع البناء الذاتي في مدن مغربية

تتجه مصالح المديرية العامة للضرائب إلى تشديد المراقبة على عدد من مشاريع البناء الذاتي، بعدما أظهرت مؤشرات ميدانية احتمال استغلال هذا الإطار لتغطية أنشطة عقارية تجارية والحد من الالتزامات الجبائية المرتبطة بالبناء وإعادة بيع العقارات.
وبحسب معطيات أوردتها مصادر مطلعة، فقد شملت عمليات التدقيق ملفات عقارية في الدار البيضاء والرباط والجديدة والقنيطرة وأكادير، حيث تعمل المصالح الإقليمية والجهوية المختصة على مقارنة التصريحات المقدمة من الملزمين بالوقائع الفعلية المرتبطة بالعقارات والأشغال المنجزة.
ويركز الافتحاص، بشكل خاص، على الحالات التي تم فيها تقديم مشاريع عقارية باعتبارها موجهة للسكن الشخصي، بينما كشفت المعطيات المتوفرة عن مؤشرات تفيد بإعادة بيع الوحدات المبنية، سواء تعلق الأمر بشقق سكنية أو محلات تجارية.
وتسعى مصالح المراقبة، في هذه الحالات، إلى إعادة بناء المسار الكامل للعملية العقارية، بدءاً من اقتناء الوعاء العقاري، مروراً بمرحلة البناء والتجهيز، ووصولاً إلى تسويق الوحدات وتفويتها، بهدف تحديد ما إذا كانت العملية تندرج فعلاً ضمن البناء الشخصي أم تخفي نشاطاً منظماً في مجال الإنعاش العقاري.
وتكتسي هذه المراجعة أهمية خاصة في الملفات التي تتكرر فيها عمليات شراء الأراضي ثم تشييد بنايات متعددة الوحدات وبيعها، إذ يمكن لتكرار هذا النمط أن يشكل مؤشراً على ممارسة نشاط عقاري تجاري يتجاوز مفهوم البناء المخصص للإقامة الشخصية.
كما امتدت عمليات التدقيق إلى ملفات تتعلق ببنايات تفوق مساحتها 300 متر مربع، مع التحقق من مدى احترام أصحابها للالتزامات المرتبطة بالتصريح بتكلفة الأشغال داخل الآجال القانونية، وفق المقتضيات الجبائية المعمول بها.
وتشمل عملية الافتحاص مقارنة تكاليف البناء المصرح بها مع القيمة الفعلية للأشغال المنجزة، من خلال فحص مساحة العقار ومكوناته وطبيعة التجهيزات والأشغال، إلى جانب مراجعة الوثائق التي تثبت النفقات المرتبطة بالمشروع.
وفي هذا الإطار، يولي المراقبون أهمية خاصة للوثائق المحاسبية والتقنية، بما فيها الفواتير وبيانات الحساب وشهادات المهندسين المعماريين، بهدف التأكد من أن التكاليف المصرح بها تعكس فعلياً حجم الأشغال المنفذة.
وتشمل المراجعة أيضاً الحالات التي يتم فيها تنفيذ الأشغال وفق صيغة «المفتاح في اليد» (Clé en main)، حيث يجري التحقق من الوثائق والشهادات التي تحدد تكلفة الأشغال، فضلاً عن فحص الفواتير المتعلقة بالمواد والخدمات والأعمال التي تدخل في إنجاز المشروع.
ولا تتوقف عملية التدقيق عند صاحب المشروع، إذ تمتد كذلك إلى مختلف المتدخلين في العملية، من خلال تحديد هوية الموردين وأرقام تعريفهم الضريبي، وطبيعة السلع والخدمات المقدمة، وقيمة المعاملات وطرق الأداء ومراجعها.
وتتيح هذه المقاربة لمصالح المراقبة مقارنة البيانات الواردة في تصريحات الملزمين مع المعاملات المسجلة لدى الأطراف الأخرى، بما يساعد على اكتشاف الفروقات المحتملة بين القيمة المصرح بها وحجم العمليات المنجزة فعلياً.
وتكتسب الملفات التي تتكرر فيها عمليات اقتناء الأراضي والبناء ثم البيع أهمية أكبر بالنسبة للمراقبين، بالنظر إلى أن انتظام هذه العمليات وتعددها قد يكشف عن نشاط عقاري مستمر، حتى في الحالات التي يقدم فيها أصحابها مشاريعهم في البداية باعتبارها مخصصة للاستعمال الشخصي.
وتأتي هذه التحركات في أعقاب خلاصات عمليات مراقبة سابقة أظهرت، وفق المعطيات المتداولة، حالات يُشتبه في انتقال أصحابها من ممارسة البناء الذاتي إلى نشاط أقرب إلى الإنعاش العقاري غير المصرح به، عبر تشييد بنايات متعددة الوحدات ثم تسويقها.
كما طالت عمليات الفحص بعض الملفات التي استُعملت فيها هياكل قانونية لفترات محدودة، من بينها شركات ذات مسؤولية محدودة تم تأسيسها لفترة قصيرة قبل حلها عقب تنفيذ عمليات تفويت عقارية، مع ظهور كيانات أخرى لاحقاً.
وتخضع مثل هذه الحالات للتدقيق من أجل تحديد حقيقة النشاط الاقتصادي وراء الهياكل القانونية المستعملة، ومدى توافق العمليات المنجزة مع التصريحات والالتزامات الجبائية، قبل اتخاذ أي إجراءات أو ترتيب الآثار القانونية والضريبية التي يتيحها الإطار التشريعي.
وتعكس هذه الحملة توجهاً نحو توسيع نطاق الرقابة على القطاع العقاري بالاعتماد على تحليل المعاملات وتتبع المسار الكامل للعقار، بدلاً من الاقتصار على الوثائق التي يقدمها صاحب المشروع.
ويأتي ذلك في سياق سعي الإدارة الضريبية إلى الحد من الممارسات التي قد تؤدي إلى إخفاء أنشطة تجارية تحت غطاء البناء الشخصي، وضمان تطبيق الالتزامات الجبائية وفق طبيعة النشاط الفعلية وليس وفق الوصف المقدم عند بداية المشروع.
وبذلك، يبدو أن ملف البناء الذاتي بات يحظى باهتمام متزايد من مصالح المراقبة، خصوصاً عندما تتحول عمليات البناء إلى سلسلة متكررة من الاقتناء والتشييد ثم البيع، وهي مؤشرات يمكن أن تدفع الإدارة إلى إعادة تقييم الوضعية الجبائية لأصحاب المشاريع وتحديد طبيعة نشاطهم الحقيقية.




